بالاصطياد فى يوم السبت ، وكان حراما عليهم لاشتغالهم عنه بالعبادة ، (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً) : ظاهرة على وجه الماء ، دانية منهم ، (وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ) بل تغوص كلها فى البحر ، (كَذلِكَ) أي : مثل هذا البلاء الشديد (نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) أي : بسبب فسقهم. وقيل : «كذلك» : متصل بما قبله ، أي : لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان الذي تأتيه يوم السبت.
ثم افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق : فرقة عصت بالصيد يوم السبت ، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم ، وفرقة سكتت واعتزلت فلم تنه ولم تعص. (وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ) ، وهى التي لم تنه ولم تعص ، لمّا رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية : (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ) بالموت بصاعقة ، (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) فى الآخرة؟ (قالُوا) : نهينا لهم (مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ) أي : عذرا إلى الله تعالى ، حتى لا تنسب إلى تفريط فى النهى عن المنكر ، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) فينزجرون عن العصيان ، إذ اليأس منهم لا يحصل إلا بالهلاك.
(فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) أي : تركوا ما وعظوا به ترك الناسي ، (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) ؛ بالاعتياد ومخالفة أمر الله ، (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) : شديد ، من بؤس يبؤس بؤسا ، وقرىء (بيئس) على وزن ضيغم ، و «بئس» بالكسر والسكون ، كحذر ، وبيس بتخفيف الهمزة ، ومعناها واحد ، أي : بما عاقبناهم بالمسخ ، (بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) أي : بسبب فسقهم.
قال ابن عباس : لا أدرى ما فعل بالفرقة الساكتة؟ وقال عكرمة : لم تهلك ؛ لأنها كرهت ما فعلوه. ورجع إليه ابن عباس وأعجبه ، لأن كراهيتها تغيير المنكر فى الجملة ، مع قيام الفرقة الناهية به ؛ لأنه فرص كفاية. قال تعالى : (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ) ؛ تكبرا عن ترك ما نهوا عنه ، (قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) أذلاء صاغرين. قال البيضاوي : (قُلْنا لَهُمْ كُونُوا) ، هو كقوله : (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (١) ، والظاهر يقتضى أن الله تعالى عذّبهم أولا بعذاب شديد ، فعتوا بعد ذلك ، فمسخهم قردة وخنازير ، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى.
روى أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين ، كرهوا مساكنتهم ، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق ، فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين ، فقالوا : إن لهم شأنا ، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة ، فلم يعرفوا أنسباءهم ، ولكن القردة تعرفهم ، فجعلت تأتى أنسباءهم وتشم ثيابهم ، وتدور باكية حولهم ، ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام. ه.
الإشارة : المسخ على ثلاثة أقسام : مسخ الأشباح ، ومسخ القلوب ، ومسخ الأرواح ، فمسخ الأشباح هو الذي وقع لبنى إسرائيل ، قيل : إنه مرفوع عن هذه الأمة ، والصحيح : أنه يقع فى آخر الزمان ، ومسخ القلوب يكون بالانهماك
__________________
(١) الآية ٤٠ من سورة النحل.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
