قبيح ، والزنا نفع في الحال مع أنه قبيح. وأما أن الضار قد يكون حسنا فلأن إتعاب النفس في العبادات والطاعات ضار في الحال مع أنها حسنة. وتمام كلامهم قد ذكرناه في باب القادر ، وأجبنا عنه : بأن الظلم وإن كان نافعا بالنسبة إلى ذلك الظالم ، إلا أنه عظيم الضرر في وضع العالم. لأنا إن حكمنا بحسن الظلم حصل الهرج والمرج ، ولم يبق لأحد وثوق بتزوجه ومنكوحه ، وذلك من أعظم المضار ، وأما العبادات فإنما كانت حسنة لأن الإتيان بها يفيد النفع العظيم في الآخرة. وبذل المنفعة القليلة لأجل وجدان النفع العظيم من أصول مصالح العالم. ألا ترى أن الزارع يبذر البذر ويفسده لأجل وجدان الريع الكثير. فيثبت أنا لا نعقل من الحسن والقبح إلا المنفعة والمضرة.
واعلم أن هذا المقام هو المقام الصعب ، فإنهم إن فسروا الحسن والقبح بالمنفعة والمضرة ، فحينئذ لا يمكنهم إثبات الحسن والقبح في حق الله تعالى ، وإن حاولوا إثبات (١) شيء آخر ، لم يجدوا منه أثرا ، فهذا هو الموضع الشريف الكامل الذي يجب على العاقل أن يثبت فيه.
الحجة الثانية : في بيان أن الحسن والقبح بحسب العقل في أفعال الله : محال.
إنه لو صح القول بالقبح العقلي ، لم يكن الله منعما على أحد من عبيده. وهذا باطل (فذاك باطل) (٢). بيان الملازمة : أن النعمة إنما تكون نعمة في حق من يكون محتاجا إليها متهيئا لها. لأن من لا يكون كذلك لم يكن إيصال ذلك الشيء إليه. نعمة في حقه. إلا أن الحاجة إليه والشهوة به مضرة ، فيثبت أن إيصال النعمة إليه لا يمكن إلا إذا كان مسبوقا بإيصال ضرر يساويه إليه ، ومتى كان الأمر كذلك صارت هذه النعمة الحاصلة دافعة لذلك الضرر السالف ، فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنسانا ثم يعالج جراحته ، وكمن
__________________
(١) إثبات (س).
(٢) من (م).
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٣ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3632_almatalib-alalia-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
