فإن قالوا : التحدّي إنّما كان بحكاية الكلام القديم ، دون ذاته.
قيل لهم : ليس يخلو التحدّي من أن يكون واقعا بأن يحكوه بلفظه ومعناه معا ، أو بأن يحكوه بمعناه (١) دون لفظه ، أو بلفظه دون معناه.
وقد علمنا أنّ كلّ من قال : «القرآن» ، فقد حكاه بلفظه ومعناه ، وأنّ القوم الّذين شوفهوا بالتحدّي به قد كانوا يتمكّنون من ذلك ويفعلونه.
وحكاية معناه دون لفظه متأتّية من كلّ من عقل المعاني وفهمها ، فصيحا كان أو ألكن ، عربيّا كان أو أعجميّا.
ومن أتى في الحكاية باللّفظ والمعنى معا فهو حاك للّفظ لا محالة ، وإن ضمّ إليه المعنى ؛ ففسدت الوجوه الثّلاثة. وليس يمكن في القسمة غيرها ؛ لأنّ ما خرج عنها ليس بحكاية.
فإن قالوا : إنّما تحدّاهم بالابتداء للحكاية على الوجه الّذي وردت منه ، فمن حكاها بعد السّماع منه لا يكون معارضا ؛ لأنّه غير مبتدئها؟
قيل لهم : هذا رجوع إلى التحدّي بالمستحيل الّذي لا يدخل تحت قدرة قادر ؛ لأنّ الابتداء لا يتكرّر كالاحتذاء ، فإذا طالبهم بأن يبتدءوا ، فحكاية ما قد ابتدأ هو حكايته ؛ فقد كلّفهم المحال الّذي لا يوصف [به] القديم تعالى ، وهو أقدر القادرين عليه.
ولو قالوا له : وأنت أيضا لا تقدر على الابتداء بجميع ما يبتدئ أحدنا حكايته ، من كلام أو شعر ، فليس لك من هذا إلّا ما عليك ؛ لكانت المقابلة واقعة موقعها.
وإنّما صحّ لنا ولغيرنا ـ ممّن يرغب عن طريقة هؤلاء ـ الفصل (٢) بين حكاية
__________________
(١) في الأصل : معناه ، والمناسب ما أثبتناه.
(٢) في الأصل : والفصل ، والظاهر حذف الواو.
