وسائر الأجناس.
ولو قيل أيضا لهؤلاء ـ : إنّ المعنى الّذي يدّعونه في النّفس ليس هو الكلام في الحقيقة ، بل الكلام معنى غيره. والمعنى الّذي يشيرون إليه دالّ عليه ومنبئ عنه ، ثمّ يجب ذلك عليهم في معنى بعد آخر ـ لم يجدوا فصلا!
ولتقصّي هذه الجمل الّتي أوردناها موضع هو أليق بها من كتابنا هذا ، وإنّما نبّهنا بما ذكرناه على طريق الكلام ـ وإن كان المقصد غيره ـ كراهة أن يخلوا كلامنا من برهان على فساد ما تعلّق به القوم.
على أنّا لو تجاوزنا لهم عن الكلام في قدم القرآن وحدوثه لم يصحّ أن يكون معجزا على طريقتهم هذه ، وبطلت فائدة التّحدّي به لأنّ المتحدّي لا يصحّ تحدّيه إلّا بما هو مقدور متأتّ ، إمّا منه أو من المؤيّد له بالعلم ، فكأنّه يقول : تعاطوا فعل كذا وكذا ممّا ظهر على يدي ، فإن تعذّر عليكم فاعلموا أنّي صادق ، إمّا من حيث خصّني الله تعالى بما معه تأتّى منّي ما تعذّر عليكم ، أو من حيث أظهر على يدي ذلك الفعل بعينه وأيّدني به.
ومتى كان الأمر الّذي دعاهم إلى فعله مستحيلا متعذّرا على كلّ قادر ، لم يصحّ التّحدّي به ولا الاحتجاج بتعذّره ؛ لأنّهم لو قالوا له : قد دعوتنا إلى ما لا تقدر أنت ولا المؤيّد لك على فعل مثله ، فأين موضع حجّتك علينا؟ ولم صرت بأن تدّعي الإبانة والتّخصيص بتعذّره علينا أولى بأن ندّعي نحن عليك مثل ذلك من حيث تعذّر عليك ، بل على كلّ قادر؟! وإذا لم يكن بين هذه الدّعاوى فرق بطل الاحتجاج بما ذكروه.
وبعد ، فلا فرق بين التّحدّي بالقرآن إذا كان قديما ـ على ما يدّعون ـ وبين التحدّي بذات القديم تعالى. وإذا فسد التحدّي بذلك ، من حيث استحال تعلّق القدرة به ، فالأوّل مثله.
