فأمّا القول بأنّه : «متكلّم بالكلام لأنّه قائم به» ، فلفظ مجمل قصد إلى المعلّق به عند ضيق الكلام. وحاجته إلى التفسير والتّفصيل كحاجة ما تقدّم.
وليس يصحّ أن يراد بهذه اللّفظة ـ أعني قولهم : قائم (١) به ـ إلّا بعض ما ذكرناه وافسدنا [ه] من الحلول وإيجاب الصّفة ، وإلّا فالوجوه الّتي تستعمل فيها ، من القيام الّذي هو الانتصاب ، أو الثّبات والبقاء ، أو غير ذلك ممّا لا يجوز على الكلام أصلا.
وكذلك إن قيل : إنّ المتكلّم إنّما كان متكلّما لأنّ له كلاما ، وقعت المطالبة بتفسير هذه اللّفظة ، والكشف عن الغرض بها ، فإنّه لا يمكن أن يذكر فيها إلّا بعض ما أوردناه وتكلّمنا عليه.
فإن قالوا : جميع ما ذكرتموه مبنيّ على أنّ الكلام هو الأصوات والحروف المسموعة. وليس الكلام في الحقيقة ما تظنّون ، بل هو معنى في النّفس لا يجوز عليه شيء ممّا جاز على الأصوات الّتي ذكرتموها من الانقسام والتجزّي ، وهذا المسموع عبارة عنه وحكاية له.
قيل لهم : ليس يجب أن نتكلّم في قدم شيء أو حدوثه ونحن لا نعقله ولا نثبته ؛ لأنّ الكلام في الصّفات فرع على إثبات الذّوات. وما يقولونه في الكلام غير معقول عندنا ولا سبيل إلى إثباته ، فلا معنى للتشاغل معكم بالخوض في قدمه وحدوثه. والواجب أن تطالبوا بإثبات ما تدّعونه أوّلا ، فإنّه يتعذّر عليكم.
على أنّ من أثبت الكلام معنى في النّفس ـ ولم يشر إلى بعض المعاني المعقولة من أفعال القلوب ، كالقصد والاعتقاد وما يجري مجراهما ـ لم يجد فرقا بينه وبين من ادّعى مثل ذلك في جميع أجناس الأعراض ، حتّى يقول : إنّ الصّوت في الحقيقة ليس هو المسموع بل هو معنى في النّفس يدلّ هذا عليه. وكذلك اللّون
__________________
(١) في الأصل : قام.
