يبيّن ذلك أنّه لو أضيف على غير هذا الوجه لم يخل من وجوه :
إمّا أن يقال : إنّه كلام له ، وأنّه متكلّم به من حيث أوجب كونه (١) على صفة معقولة وحسب ما نقول في العلم وما جرى مجراه ، أو لأنّه حلّه ، أو حلّ بعضه ؛ أو لأنّه قائم به.
والكلام ليس ممّا يوجب صفة للمتكلّم ؛ لأنّه لو أوجب ذلك لاستحال ـ لو خلق له لسانان ـ أن يوجد (٢) فيهما حرفان متضادّان ؛ لأنّه من حيث كان متكلّما بهما يجب أن يكون على صفتين متضادّتين ، كما يستحيل وجود علم وجهل بشيء مخصوص في جزءين من قلبه ، من حيث كان ذلك يوجب كونه على حالين متضادّتين.
وقد علمنا صحّة وجود الكلام بالآلتين لو خلقتا ، وجواز كونه متكلّما إنّما يوجد فيهما ، وإن امتنع ذلك في العلم والجهل وما جرى مجراهما ممّا يوجب الأحوال للحيّ. فصحّ أنّ الكلام ممّا لا يوجب صفة للمتكلّم ، وبطل القسم الأوّل الّذي ذكرناه.
وليس يجوز أن يكون متكلّما به لأنّه حلّه أو حلّ بعضه ؛ لأنّ ذلك يوجب كون اللّسان متكلّما ، والصّدى مخبرا وآمرا وناهيا. ويوجب أيضا إبطال كون المتكلّم متكلّما وسقوط هذه الإضافة أصلا ؛ لأنّ الكلام ليس بحرف واحد ، وإنّما تجتمع الحروف فتصير كلاما ، ومحلّ كلّ حرف غير محلّ الآخر ؛ لحاجة الحرف إلى أبنية مختلفة ، فيجب على هذا أن يكون قولنا : «قام زيد» ليس بكلام لمتكلّم في الحقيقة ؛ لأنّ المتكلّم ما حلّه الكلام. وهذه الجملة ليس يصحّ اختصاصها بمحلّ واحد ، فتخرج من أن تكون كلاما لمتكلّم.
__________________
(١) في الأصل : وكونه ، ولعلّ المناسب حذف الواو.
(٢) في الأصل : ويوجد ، والظاهر ما أثبتناه.
