وعدم الاطلاع على مستند الإجماع فإنما يكون قادحا أن لو كان ذلك مما تدعو الحاجة إليه ، وتتوفر الدواعي على نقله ، وليس كذلك ، فإنه مهما تحقق الاتفاق واستقر الوفاق ، وظهر دليل وجوب اتباعه ، وقع الاكتفاء به عن مستنده ، ولم يبق نظر إلا في موافقته ، ومخالفته. ومع عدم الحاجة إلى النظر في المستند ، لكون الوفاق قد صار واجبا حتما ، ولازما جزما ، لم تنصرف الدواعي إلى نقله ، ولم تتوفر البواعث على اتباعه ، فلا يكون عدم الاطلاع عليه إذ ذاك قادحا. كيف وإنه لا يبعد أن يكون مما لا يمكن نقله ، بل يعلمه من كان في زمن النبي ـ عليهالسلام ـ ومشاهدا له ، بقرائن أحوال وإشارات ثم أقوال وأفعال ، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن معرفتها إلا بالمشاهدة والعيان.
وأما اتفاق الناس على ما لأجله نصب الإمام ، وإن كان ذلك جائزا في العقل ، لكنه بالنظر لما لا تقبله العادة الجارية والسنة المطردة فممتنع ، بدليل ما ذكرناه من أوقات الفترات وموت الملوك والسلاطين ، وغير ذلك مما ذكرناه ، ولهذا نرى العربان والخارجين عن حكم السلطان كالذئاب الشاردة والأسود الكاسرة ، ولا يبقي بعضهم على بعض ، ولا يحافظون في الغالب على سنة ولا فرض ، ولم تك دواعيهم إلى صلاح أمورهم ، وتشوفهم إلى العمل بموجب دينهم ، بمغن عن السلطان ؛ إذ السيف والسنان قد يفعل ما لا يفعله البرهان.
ومن نظر إلى ما قررناه من الفائدة المطلوبة من نصب الإمام ، والغاية المقصودة من إقامته للإسلام ، علم أنه لا أثر لجواز المخالفة له فيما يقع من مسائل الاجتهاد ، وأن ذلك غير مقصود فيه الانقياد.
وإذا ثبت وجوب الإمامة بالسمع ، فهل التعيين فيها مستند إلى النص أو الاختيار؟ فذهبت الإمامية إلى أن مستند التعيين إنما هو النص ،
