هو مضحكة العقلاء ، ومستهزأ الأدباء ، معارض لما أعجزت الفصحاء معارضته ، وأعيت الألباء مناقضته ، من حين البعثة إلى زماننا هذا (١).
بل لو نقر العاقل على ما فيه من الإخبار بقصص الماضين ، وأحوال الأولين ، على نحو ما وردت به الكتب السالفة ، والتواريخ الماضية ، مع ما عرف من حال النبي صلىاللهعليهوسلم من الأمية ، وعدم الاشتغال بالعلوم والدراسات ، بل وما فيه من الإخبار عما تحقق بعد ما أخبر به من الغائبات ، كما في قوله تعالى : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) [الإسراء : ٨٨] وقوله :
__________________
(١) قال الآمدي : وما نقل من ترهات مسيلمة من قوله : الفيل وما أدراك ما الفيل ، له ذنب وثيل ، وخرطوم طويل وقوله والزارعات زرعا ، فالحاصدات حصدا ، والطاحنات طحنا وقوله يا ضفدع بنت ضفدعين نقي أو لا تنقين ، لا الماء تكدرين ، ولا الشارب تمنعين إلى غير ذلك من كلامه الغث ولتاته الرث ؛ فلا يخفى ما فيه من الدلالة على جهالة قائلة وضعف عقله ، وسخف رأيه ، حيث ظن أن مثل هذا الكلام النازل الذي هو مضحكة العقلاء ، ومستهزئ الأدباء ، معارض لما أعجز الفصحاء معارضته وأعيا الألباء مناقضته ، من حين البعثة إلى زمننا هذا. وأما ظن المعارضة بالقصائد العربية ، فظن من لا تحصيل لديه. فإنا قلنا : إن وجه الإعجاز في القرآن : إنما هو مجموع النظم البديع ، والبلاغة وما يشتمل عليه من الإخبار عن الغيب. وما قيل من القصائد فإنها وإن قدر اشتمالها على البلاغة مع الإحالة ، فغير مشتملة على مثل نظم القرآن ، والإخبار عن الغيب ، ولا يخفى أن من تحدى بقصيدة بليغة وأتى غيره بنثر مساو لقصيدته في البلاغة دون النظم بأن أتى بخطبة ، أو رسالة ؛ فإنه لا يعد معارضا له في نظر أحد من أرباب أهل الأدب. وأما ما نقل من معارضات ابن المقفع ، المعري وغيرهما من المتأخرين فإنه لم يبلغ من البلاغة ، وتناسب الكلام مبلغ القرآن ، وبتقدير بلوغه ذلك في النظم ، والبلاغة فغير مشتمل على أخبار الغيب ، وبتقدير اشتماله على ذلك مع الإحالة ؛ فليس من شرط دلالة المعجزة على صدق الرسول أن لا يوجد مثلها فيما يستقبل من الأزمنة المتأخرة عن زمان الرسول ؛ بل شرط ذلك إعجاز من في زمنه عنه لا غير. انظر أبكار الأفكار (٦ / ٧٤) ، وإعجاز القرآن للباقلاني (١ / ٢١) ، والتمهيد (ص ١١٩ ، ١٢٩) ، وشرح الطحاوية (ص ٨٧ ـ ٩٦).
