القوى ، من حيث إن إدراكها للأمور الكليات والحقائق والماهيات ولا كذلك غيرها وكذا أيضا كمالها أدوم من كمال غيرها فالتذاذها به ليس من التذاذ غيرها بكماله ، وليس التذاذها به أيضا بعد المفارقة على نحو التذاذها به قبل المفارقة ، إذ النفس قبل المفارقة مشغولة بالعوائق البدنية والموانع الدنيوية ، وقد زالت هذه الموانع بعد المفارقة ، وغير خاف أن الالتذاذ بالشيء عند زوال المانع يكون أشد منه عند وجوده ، واللذة الحاصلة منه أعظم وأتم ، وليس نسبة هذه اللذة إلى تلك اللذة إلا على نحو نسبة لذة الأكل إلى لذة شم رائحة المأكول أو أشد.
وهي وإن كنا لا نعرفها على ما هي عليه ، ولا نتشوقها غاية الشوق ؛ لكوننا مشغولين بالعوائق والعلائق ، فإنا لا محالة نقطع بوجودها ، كما يقطع العنين بلذة الجماع ، أو الأكمه بتخيل بعض الصور ، وإن كان لا يتشوقها ولا يعرفها على نحو معرفة غيره بها وتشوقه إليها ممن ليس بعنين ولا أكمه ، فهذه هي اللذة والنعيم الدائم الذي لا يشبهه شيء من أنواع الملاذ.
وإن كانت النفس مع ما حصل لها مشتغلة عنه بالفجور والانغماس في الرذائل ، فهذه النفس تسمى المؤمنة الفاجرة ، فما استقر فيها من تلك الهيئات والشهوات والقبيحات يجذبها إلى أسفل ، وما حصل لها في جوها من الكمالات يجذبها إلى الملأ الأعلى ، فقد يحدث ذلك التجاذب والتضاد ألما عظيما وعذابا أليما ، وعلى حسب رسوخ تلك الهيئات القبيحة في النفس يكون دوام هذه الآلام ، لكنها مما لا يتسرمد لكون الموجب لها عارضا والعارض قد يزول على تطاول الزمان.
الحال الثاني :
ألا تكون قد حصلت شيئا من كمالها ، ولا اشتغلت بشيء من مطلوبها ، فهي إن كانت مع ذلك زكية طاهرة مشتغلة بالرياضات ، وأنواع النسك والعبادات عن الرذائل والشهوات ، فلا يبعد أن تتصل ، بعد المفارقة
