للقوة القابلة وإلا فلا عدم ، كما أن ما كان قابلا للوجود فلا بد فيه من أن يكون الحامل للقوة القابلة للوجود متحققا ، وإلا فلا وجود ، وأن يكون ما طرأ غير ما فقد وما فقد هو غير ما طرأ ، وذلك في غير المادة محال. فلو قبلت النفس الفساد للزم أن تكون مادية ومركبة وهو ممتنع لما مضى ، فإذا النفس لا فوات فيها بعد فوات البدن.
ثم زعموا أن سعادة كل شيء إنما هو بحصول ماله من الكمالات المختلفة له ، وذلك كما في البصر بالنسبة إلى العين ، والسمع بالنسبة إلى الأذن ونحوه ، وكذلك شقاوته إنما هو بعدم ظفره بماله من تلك الكمالات ، فسعادة النفس الناطقة إنما هي بحصول ما لها من الكمال الممكن لها ، وهو مصيرها عالما عقليا متصلة بالجواهر الروحانية مطلعة على المعقولات محيطة بالمعلومات وكذلك أيضا شقاوتها إنما هي بعدم ظفرها بهذا الكمال الممكن لها ، فحالها بعد المفارقة للبدن إن كانت قد استعدت لقبول كمالها واستكملت بإشراف العقل الفاعلي عليها فلها حالتان : الحال الأول أن تكون في حال المفارقة قد عقلت شيئا من كمالها ومطلوبها بالبحث عنه والاهتمام به ، فإن حصول ذلك لها ليس بطبعها ، وإلا كان ذلك موجودا معها بالفعل ، حيث وجدت فحصول ذلك لها ، مع اشتغالها به عن الرذائل والعوائق البدنية على الدوام هو نعيمها بعد المفارقة ، وفوزها باللذة الدائمة في جوار رب العالمين ، ولا محالة أن على قدر تحصيلها تكون زيادة سعادتها في الأخرى.
قالوا : وليس ما يحصل لها من اللذة يحصل مثل المطلوب. مما شاكل اللذة الحاصلة من غيره ، من المطاعم والمشارب ، وغير ذلك من الكمالات الحاصلة للحيوانات ؛ إذ الالتذاذ وزيادته إنما هو على حسب جمال الشيء المدرك وقوة الإدراك له ودوامه ، ولا يخفى أن شرف كمال النفس ، بالنسبة إلى غيره من الكمالات ، كنسبة شرف جوهر النفس بالنسبة إلى غيره من الجواهر. وكذا أيضا إدراك النفس لما تدركه ليس مثل إدراك غيرها من
