ثم إن الخصم معترف بأن ما يفعله العبد من الطاعات واجب عليه وملجئ إليه شكرا منه لله ـ تعالى ـ على ما أولى من مننه ، وأسبغ من جزيل نعمه. فكيف يستحق الثواب على ما أدى من الواجبات ، والجزاء على ما حتم عليه من الطاعات ، وأنواع العبادات؟
أم كيف السبيل إلى الجمع بين القول بوجوب الطاعة على العبد شكرا ، والثواب على الباري جزاء؟ وهل ذاك إلا دور ممتنع؟ ؛ من جهة أن الشكر لا يجب إلا بعد سابقة الثواب المتطول به ، لا ما وقع بطريق الوجوب ، فإن ذلك لا يستحق شكرا ، والجزاء الواجب لا يكون إلا بعد سابقة خدمة وطاعة متبرع بها لا ما وقع بطريق الإيجاب.
وقوله تعالى : (وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) [الجاثية : ٢٢] وقوله : (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم : ٣١] فليس المراد بها التعليل ، وإنما المراد بها تعريف الحال في المآل ، كما في قوله تعالى : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) [القصص : ٨] ، وقوله : (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) [القصص : ٧٣] ، وعلى هذا يخرج كل ما ورد في هذا الباب من الآيات والدلالات السمعيات. ونحن لا ننكر أن ذاك مما يقع ، وإنما ننكر كونه مقصودا بالتكليفات والأمر بالطاعات حتى يقال : إنه خلق لكذا ، أو لعلة كذا. بل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
بل ويكفي الخصم من سخف عقله وزيف رأيه أن عادت حكمة خلق السموات والأرض والنجوم والشجر والجبال ، وإظهار الآيات والدلائل والمعجزات ، وإيجاب الطاعات والعبادات ، وتصريف الخلائق بين المأمورات والمنهيات ، إلى لذة يجدها بعض المخلوقين في مقابلة طاعته تزيد على اللذة التي يجدها بطريق الابتداء والتفضل ، مع أن الله ـ تعالى ـ قادر على أن يخلق له أضعاف تلك اللذة في التفضل الابتدائي ، من غير تعب ولا نصب (إِنَّ اللهَ
