وجوب وجوده ، وعظم جلاله في وحدانيته. فلا يصلح أن يكون غرضا ، وإلا لوجب حصوله من كل وجه على نحو لا يختلف من وجه ما ، وإلا عد عاجزا عن تحصيل غرضه من ذلك الوجه.
ولم يكن هلاكه لما خلق لأجل صلاحه وانتظام أحواله ، وذلك كما في حق الغرقى ، والحرقى ، والمسمومين ، والهلكى بالرياح العاصفة ، كما مضى فيمن هلك من الأمم السابقة؟ بل وكم من تارك النظر في الآيات والدلائل الباهرات ، ولم يلتفت إلى ما فيها من جهات الاستدلالات؟ ولهذا لو نسبنا الناظر المؤمن إلى الجاحد الكافر لم نجده إلا قليلا من كثير. ثم لا محالة أن فائدة الاطلاع على وجوب وجود واجب الوجود ، ومعرفة وحدانيته ، لا سبيل إلى القول بعودها إليه ؛ إذ هو يتعالى ويتقدس عن الأغراض ، كما سبق. فلا بد وأن يعود إلى الناظر ، وتلك الفائدة عند البحث عنها لا تخرج عن الالتذاذ بنفس المعرفة والثواب عليها ، وذلك كله مقدور أن يحصله الله ـ تعالى ـ للعبد من غير واسطة ، بأن يخلق له العلم بديا بمعرفته ، وأن ينيله الثواب الجزيل بدون النظر إلى نظره وطاعته. وعلى هذا يخرج القول بوجوب التكليف أيضا.
ولا يصح أن يقال : إن الثواب على النظر والمشاق اللازمة بالفكر والتزام الطاعات بفعل المأمورات واجتناب المنهيات ألذ من أن يكون بديا ، لانتفاء المنة والامتنان ؛ فإنا نلوذ بجناب الجبروت ، ونستعيد بعظمة الملكوت ، ممن يتجاسر على الإفصاح بهذا الافتضاح ، ويتفوه بالتكبر على الله ـ تعالى ـ ، والتجنب من الدخول في مننه ، والاشتمال بنعمته. وكيف السبيل إلى الخروج عن ذلك وأين المفر منه؟ وهل أصاب إيجاده مبرأ من الآفات ممكنا من اللذات ، أو خلق ما يصدر عنه من الطاعات وأنواع العبادات إلا بفضل من الله ـ تعالى ـ بديا من غير سابقة طاعة أو فعل عبادة؟ وهل نعمه السابقة إلينا ، المشتملة علينا مما يمكن القول بعدها ، أو التعرض لحصرها؟
