الوجه الأول : أن ما حكموا بتقبيحه فنحن قد نحكم بتحسينه ، وذلك كإيلام الحيوان وتعذيب الإنسان ، من غير ثاب ولا لغرض مقصود. فكيف يدعي الموافقة على نفس الحسن والقبح وكونه ذاتيا؟
الوجه الثاني : أنه وإن وقع الاتفاق على تحسين كل ما حسنوه ، وتقبيح كل ما قبحوه ، فلم يقع الاتفاق على كون الحسن والقبح ذاتيا ، ولا يلزم من الاتفاق على كون الشيء الواحد حسنا أو قبيحا أن يكون قد سلم كون الحسن والقبح له ذاتيين.
ولا يلزم من عدم جواز اتصاف الباري بكونه جاهلا أن يكون ذلك لكون القبح للجهل وصفا لزاما ، وأنه لذاته قبيح ، بل لكون الدليل القاطع قد دل على وجوب العلم له وكونه عالما ولو جاز أن يكون جاهلا لجوزنا أن لا يكون عالما ، وذلك خلاف ما اقتضاه الدليل القاطع وإلا فلو جوزنا النظر إلى مجرد الجهل لم يقتض ذلك كون القبح له ذاتيا ، فإنه وإن صح تقبيحه بالنسبة إلى من خالف غرضه ، بسبب عدم اطلاعه على المعلومات ، وإحاطته بالمعقولات ، فقد علم بحسنه من وافق جهل هذا الجاهل غرضه ، وذلك كما نحكم على كون القتل قبيحا بالنسبة إلى المقتول وأوليائه ، وتحسينه بالنسبة إلى حساده وأعدائه ، وهذا واضح لا خفاء به. وبهذا التحقيق يقع التقصي عن كل ما يرد من هذا القبيل.
وإذا بطل أن يكون الحسن والقبح ذاتيا لم يبق معنى للحسن والقبح إلا ما ذكرناه ، ويلزم منه منع جواز إطلاق القبح على أفعال الله ـ تعالى ـ ؛ لعدم وروده على لسان الشرع المنقول ، وعدم تأثير مخالفته لأغراض أصحاب العقول.
ثم كيف السبيل إلى جحد انتفاء الغرض على أفعاله مع وقوع ما بيناه من الأفعال التي لا غرض فيها؟ وما قيل من أن فائدة خلق الحادثات المعدنيات وغيرها إنما هو انتظام حال نوع الإنسان ، والاستدلال بها على
