غالبا ، ومخالفة لها نادرا ، فيحكم عليه بكونه حسنا أو قبيحا مطلقا لخفاء موضع المخالفة عليه ، وندرته في وقوعه. وذلك كمن يحكم على الكذب بأنه قبيح مطلقا ، فلا يلتفت إلى حسنه عند ما يستفاد به عصمة دم نبي أو ولي. لندرته وخفائه في نفسه. ومثارات الغلط في ذلك متكثرة متعددة لا محالة ولا مستند للحكم بجهة الإطلاق إلها ، حتى لو فرض شخص ما متنبها ، عند حكمه على ما حكم فيه لجميع مواضع الغلط ومواقع الزلل لما تصور منه القضاء بذلك مطلقا.
وما ذكروه من ادعاء الضرورة للعلم بحسن العلم والإيمان وقبح الجهل والكفران. فمن أحاط بما ذكرناه وفهم ما قررناه بان له وجه فساده من غير توقف. ثم كيف يقنع بالاسترسال في ادعاء ذلك مع أن أكثر العقلاء في ذلك لهم مخالفون وهم عما يدعونه مدافعون؟ ولو كان مجرد ذلك كافيا لاكتفى به من جحد الصانع ، وقضى بالتجسيد والتشبيه. وذلك مما يبطل القضايا العقلية والأمور النظرية وهو ممتنع. وليس اتفاق بعض العقلاء عليه مما يوجب كونه ضروريا ، وإلا للزم أن ما اتفق عليه الخصوم أيضا ضروري ، لكونهم من جملة العقلاء بل أكثرهم ، وذلك يفضي إلى كون الشيء الواحد معلوما نفيه وإثباته في حالة واحدة بالضرورة ، وهو ممتنع.
كيف!! وكم من شيء اتفق عليه أكثر العقلاء وليس بضروري؟ كما في حدث العالم ووجود الصانع ونحوه. بل لو قدر اتفاق المخالف لهم ، بحيث وقع الإطباق على ذلك ، فإنه لا ينقلب البتة ضروريا ، على معنى أنه لو خلي الإنسان ودواعي نفسه يحكم به من غير توقف على ما أمر ما.
لم يبقى إلا قولهم : إن الاضطرار إلى معرفة كون الحسن والقبح ذاتيا واقع لا محالة ، وإنما النزاع في مدركه. ومن تنبه لما أشرنا إليه علم أن ذلك غلط من قائله لوجهين :
