الثالث عقل رابع ونفس فلك زحل وجرمه ، ولزم عن العقل الرابع عقل خامس ونفس وفلك المشتري وجرمه هكذا إلى فلك القمر ، ثم ما في حشو فلك القمر ثم المواد التي تسير في سبب حركات الكواكب امتزاجات مختلفة تنفعل منها المعادن والحيوانات والنباتات ، فالعقول عشرة والأفلاك تسعة ومجموع ذلك تسعة عشر. وزعم بعضهم أن ذلك هو المراد بقوله تعالى : (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) [المدثر : ٣٠]. وزعم بعضهم أن ذلك الاثني عشر برجا والسبع للداري وإلى هذا يرجع حقيقة مذهبهم وعليه مدار سائر مذاهبهم في كل فن ، واتفقوا على أن الله تعالى واحد وحدانية لا تقبل الانقسام لا بالحس ولا بالعقل ولا غير ذلك ، وأنه لا معنى له يزيد على ذاته من علم أو قدرة أو غير ذلك. هذا هو مذهب المحققين منهم الذي اتفقوا عليه.
وما يظهر من الاختلاف في أقوالهم في العالم كتحير جالينوس حيث قال : لا أعلم قديما أو حادثا فقد قال الفارابي من محققيهم أو معنى ذلك أن العالم يتعارض عليه فهو ضربان لانقسامه في نفسه إلى القديم والحادث. فإذا انفرد الكلام ارتفع الغلط. فمعنى قولهم العالم محدث له معنيان : أحدهما حقيقة ، والآخر مجاز. فأما ما هو حقيقة فهو تركيب الصور في عالم الكون والفساد من المادة. وأما المجاز فتسميتهم العلة الأولى حدوثا وفيضا وذلك راجع إلى تسمية مجردة ، فإنه لا يصح عندهم أن يصدر حادث من قديم البتة. ولنرسم فصلين أحدهما يقتضي الدلالة على أن العالم محدث ، ويتضمن الثاني الكشف عن أدلتهم في أن السماء حية.
الفصل الأول
لهم على مذهبهم أدلة نوردها وننفصل عنها قالوا يستحيل أن يصدر حادث عن قديم حدوثا لا واسطة له لأن الإله إذا فرضنا وجوده في الأزل موجود معه البتة والموجودات لم تصدر منه لأن إيجادها لم يظهر به بل كان عنده في حيز الإمكان المجرد ، ثم إنه أحدث العالم فإحداثه لا يخلو من حالين : إما أن يكون بقي على حالته الأولى ، وإما أن يكون حدثت له صفة تقتضي الإحداث. وذلك يلزم السؤال. بلم؟ فيقال : لم خصص هذا الوقت بالفعل دون الوقت السابق أو يحال الأمر على فقد آلة ووجودها ، ويبطل أن يكون لإرادة حادثة فإن الحادث لا يحل التقديم ويبطل أن يخلقها في محل ثم يريد بها وكل هذا باطل. وأما قولهم إنه لم يفعل ثم فعل فذلك يوجب تغيير حال.
قلنا : ذلك فإنه تعالى لم يزل عالما ولا يزال ، ومقتضى علمه إيجاد الخلق في المبدأ الذي أوجدهم فيه وقصد إلى خلقهم حين ابتدأ خلقهم ، وذلك راجع إلى إظهار الفعل وليس من شرط العالم إذا كان قادرا أن يلازم المعلوم والمقدور. والبارئ تعالى لا يقال له لم ، فيسقط ما موهوا به ، فإن قالوا : البارئ تعالى لا علم له.
قلنا : بل هو عالم لا يتغير عما علم في وقت ما لا في الماضي ولا في المستقبل كما يدل عليه ، ومن الدليل على حدوث هذا العالم أن في القول يقدمه إثبات حوادث لا نهاية لها. فلك
