ويقول عزوجل : بسم الله الرحمن الرحيم (يس ، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ، عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ، لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ، وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ، وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) [يس : ١. ١١] فشاورت في ذلك جماعة من أرباب القلوب والمشاهدات ، فاتفقوا على الإشارة بترك العزلة والخروج من الزاوية ، وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة متواترة تشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد ، قدرها الله سبحانه على رأس هذه المائة ، وقد وعد الله سبحانه بإحياء دينه على رأس كل مائة ؛ فاستحكم الرجاء ، وغلب حسن الظن بسبب هذه الشهادات ، ويسر الله تعالى الحركة إلى نيسابور للقيام بهذا المهم في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وكان الخروج من بغداد في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، وبلغت مدة العزلة إحدى عشرة سنة ، وهذه حركة قدرها الله تعالى ، وهي من عجائب تقديراته التي لم يكن لها انقداح في القلب في هذه العزلة ، كما لم يكن الخروج من بغداد والنزوع عن تلك الأحوال مما يخطر إمكانه أصلا بالبال والله تعالى مقلب القلوب والأحوال و" قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن" وأنا أعلم أني وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت ، فإن الرجوع عود إلى ما كان ، وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي يكسب الجاه ، وأدعو إليه بقولي وعملي ، وكان ذلك قصدي ونيتي ؛ وأما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه ، ويعرف به سقوط رتبة الجاه.
هذا الآن هو نيتي وقصدي وأمنيتي ، يعلم الله ذلك مني ، وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري ، ولست أدري أأصل إلى مرادي ، أم أخترم دون غرضي؟ ولكني أومن إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وأني لم أتحرك لكنه حركني ، وأني لم أعمل لكنه استعملني ، فأسأله أن يصلحني أولا ، ثم يصلح بي ويهديني ، ثم يهدي بي ؛ وأن يريني الحق حقا ويرزقني اتباعه ، ويريني الباطل باطلا ويرزقني اجتنابه.
ونعود الآن إلى ما ذكرناه من أسباب ضعف الإيمان فيمن ذكر بذكر طريق إرشادهم وإنقاذهم من مهالكهم :
أما الذين ادعوا الحيرة بما سمعوه من أهل التعليم ، فعلاجه ما ذكرناه في كتاب" القسطاس المستقيم" ولا نطول بذكره في هذه الرسالة.
وأما ما توهمه أهل الإباحة ، فقد حصرنا شبههم في سبعة أنواع وكشفناها في كتاب" كيمياء السعادة".
وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة حتى أنكر أصل النبوة ، فقد ذكرنا حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة ، بدليل وجود علم خواص الأدوية والنجوم وغيرهما ، وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك ، وإنما أوردنا الدليل من خواص الطب والنجوم لأنه من نفس علمهم. ونحن نبين لكل عالم
