مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك ، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه. فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة ، في مدة الخلوة والعزلة.
ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة ، ثم في حقيقة النبوة ، ثم في العمل بما شرحته النبوة ، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق ؛ فنظرت إلى أسباب فتور الخلق ، وضعف إيمانهم ، فإذا هي أربعة :
١ ـ سبب من الخائضين في علم الفلسفة.
٢ ـ وسبب من الخائضين في طرق التصوف.
٣ ـ وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم.
٤ ـ وسبب من معاملة الموسومين بالعلم بين الناس.
فإني تتبعت مدة آحاد الخلق ، أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع ، وأسأله عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره ، وقلت له : " ما لك تقصر فيها؟ فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا ، فهذه حماقة! فإنك لا تبيع الاثنين بواحد ، فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة؟ وإن كنت لا تؤمن ، فأنت كافر ، فدبر نفسك في طلب الإيمان ، وانظر ما سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطنا ، وهو سبب جرأتك ظاهرا ، وإن كنت لا تصرح به تجملا بالإيمان وتشرفا بذكر الشرع! ".
فقائل يقول : هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه ، لكان العلماء أجدر بذلك ، وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي ، وفلان يشرب الخمر ، وفلان يأكل أموال الأوقاف وأموال اليتامى ، وفلان يأكل إدرار السلطان ولا يحترز عن الحرام ، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة! وهلم إلى أمثاله ...
وقائل ثان يدعي علم التصوف ، ويزعم أنه قد بلغ مبلغا ترقّى عن الحاجة إلى العبادة وقائل ثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة! وهؤلاء هم الذين ضلوا عن التصوف.
وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول : " الحق مشكل ، والطريق إليه منسد ، والاختلاف فيه كثير ، وليس بعض المذاهب أولى من بعض ، وأدلة العقول متعارضة ، فلا ثقة برأي أهل الرأي ، والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له ، فكيف أدع اليقين بالشك؟ ".
وقائل خامس يقول : " لست أفهل هذا تقليدا ، ولكني قرأت علم الفلسفة ، وأدركت حقيقة النبوة ، وأن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة ، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات ؛ فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف ، وإنما أنا من الحكماء اتبع الحكمة وأنا بصير بها مستغن فيها عن التقليد!؟.
