التعيين ، كالذي يخبره جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد من قول واحد معين بل من حيث لا يدري ، ولا يخرج عن جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد ؛ فهذا هو الإيمان القوي العلمي. وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد ، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية.
فهذا القدر من حقيقة النبوة كاف في الغرض الذي أقصده الآن ، وسأذكر وجه الحاجة إليه.
سبب نشر العلم بعد الإعراض عنه
ثم إني لما واظبت على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين ، وبان لي في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها ، مرة بالذوق ، ومرة بالعلم البرهاني ، ومرة بالقبول الإيماني : أن الإنسان خلق من بدن وقلب ، وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله ، دون اللحم والدم الذي يشارك فيه الميت والبهيمة ، وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيها هلاكه ، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة ، ولا ينجو (إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء : ٨٩] وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي ، كما قال تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) [البقرة : ١٠ ، والمائدة : ٥٢ ، والأنفال : ٤٩ ، والتوبة : ١٢٥ ، والحج : ٥٣ ، والأحزاب : ١٢ ، ٦٠ ، ومحمد : ٢٠ ، ٢٩ ، والمدثر : ٣١.] وأن الجهل بالله سم مهلك ، وأن معصية الله بمتابعة الهوى داؤه الممرض ، وأن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي ، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي ، وأنه لا سبيل إلى معالجته بإزالة مرضه وكسب صحته إلا بأدوية ، كما لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك. وكما أنّ أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها ، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل ، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء ، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء ، فكذلك بان لي ، على الضرورة ، أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء ، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء ، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة لا ببضاعة العقل. وكما أن الأدوية تركبت من أخلاط مختلفة ، وبعضها ضعف البعض في الوزن والمقدار ، فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل الخواص ، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب ، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار ، حتى أن السجود ضعف الركوع ، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار ، ولا يخلو عن سر من الأسرار ، هو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة. ولقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط بطريق العقل لها حكمة ، أو ظن أنها ذكرت على سبيل الاتفاق ، لا عن سر إلهي فيها يقتضيها بطريق الخاصية. وكما أن في الأدوية أصولا هي أركانها ، وزوائد هي متمماتها ، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها ، كذلك النوافل والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات.
وعلى الجملة : فالأنبياء أطباء أمراض القلوب ، وإنما فائدة العقل وتصرفه إن عرفنا ذلك ، ويشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعجز عن درك ما يدرك بعين النبوة ، وأخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى القائدين ، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين. وإلى هاهنا
