واعلم أن الأوزان القلبية لا تظهر إلا بطهارة المحل ، فإذا ارتفع السد من القلب بانت موازين معارف القلوب ، وامتد فيها صراط الحق ، وفتحت أبواب المعرفة بالله ، وبانت أنفاس حميم حب الدنيا ، كما قيل : هناك حميمها القاسي ، حميمها جنة فيها الحمام. فإذا كان على هذه الوتيرة ، فاجعل حوائجك من مولاك في خدمتك ، وتطيب بطيب المعرفة ، والبس ثياب شعار الندم ، وضع خدك على تراب التواضع ، واعلم أن لكل شيء وزنا : ووزن الشعر بعروضه ، وأوزان المميز بالنظر ، وأوزان المأكول والمشروب بالكفتين والقبان ، وميزان الصوفية بأوقات النهار ، وميزان الخطب بتعديل الكلام ، وميزان القيمة بقصاص الأفعال ، فكفة ظلمة ظلمك وكفة نور طهارة أعمالك. فاعلم حالك واستقم في أحوالك ، فإبراهيم لما بان له ميزان النظر قال بطريق التشكيك : هذا ربي ، فلما استقام بين كفتي الأحوال قال : وجهت وجهي.
المقالة السابعة عشرة
اعلم أن الخواص غير محصورة وليس لها تأويل يحل فتؤخذ بذواتها ، كالصبر المسهل ، والسقمونيا ، والشيء المقبض ، ليس علينا أن نسأل لم أسهل هذا أو قبض هذا ، فكيف نعترض طبيب الشرع فيما جاء به من التحليل والتحريم ، أو ليس حجر يشم يذهب النفخة! فكيف تشك في شفاء خواص القرآن وما فيه من التحرير ، وفيه قوارع مخصوصة لمعاني مخصوصة مثل سورة الواقعة للغناء والمال ، وإذهاب الغم بسورة الدخان ، ورفع البلاء والتحرز بسورة الكهف ، وخاصيتها (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) [الكهف : ٩٧] ولا يجوز قراءة الآية وحدها إلا بإضافة السورة إليهم كما قلتم لا يجوز استعمال الأدوية المفردة.
مسألة في تعجيز المنجم
تقول : يا حكيم هذا النجم الفاعل المتصرف في العبد ، المولد في نقطة الكرة ، كيف تصرف فيه بطبعه أم بجنسه أم بخاصيته؟ فإن قلت بالطبع فالطباع مختلفة ، وإن قلت بالجنس فذاك سماوي وهذا ترابي ، وإن قلت بالخاصية فالخاصية عرض لا بقاء له ، وإن سلمنا إليك بالخاصية فهل هي في نفس النجم أم في نفس الشخص؟ فلا بد من الكشف والتبيين وإقامة البرهان. أما السحر فهو عمل وكلام قد تداولوه بينهم في أوقات معلومة وطوالع معروفة وطلسمات مضروبة ، فإذا أردت أن تولد طلسما يصلح لما تريد فخذ من كل ثلاثة أحرف حرفا ، فإذا اجتمعت لك في التأليف ثلاثة أحرف من تسعة فهو طلسم يصلح لما تريد ، فانظر في الأوسطرلاب عند ساعة التأليف فهو يصلح لما دلت عليه الدقيقة من الساعة ، ومثاله ا ب ت ث فتأخذ الجيم والثاء أليق عوضا عن الجيم ج ح خ خذ الصاد ص ط ظ خذ العين فيصير عقربا لتدوير الحروف فضع صورتها على خاتم والقمر في العقرب ، تكف خاصيتها عنك أذى النساء ، ترمي الخاتم في الماء فينفع سقياه الملسوع ، وتلقي به سوءا بين من أردت ، وترش
