أهم ، فإن المساجد كثيرة والغرض منها الجامع وحده فيجزئ عن غيره ، وليس الغرض بناء مسجد في كل سكة وفي كل درب ؛ والمساكين والفقراء محتاجون. وإنما خف عليهم دفع المال في بناء المساجد لظهور ذلك بين الناس ، ولا يسمع في الثناء عليه من عند الخلق ، فيظن أنه يعمل لله وهو يعمل لغير الله (ونيته أعلم بذلك ، وإنما نيته عليه غضب ، وقال إنما قصدت الله عزوجل).
والثاني : أنه يصرف في زخرفة المساجد وتزيينها بالنقوش المنهي عنها الشاغلة قلوب المصلين ، لأنهم ينظرون إليها فتشغلهم عن الخضوع في الصلاة عن حضور القلب وهو المقصود من الصلاة ؛ فكل ما طرأ في صلاتهم وفي غير صلاتهم فهو في ميزان الذي بناه ، إذ لا يحل تزيين المسجد بوجه. قال الحسين رضي الله عنه : لما أراد رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يبني مسجده بالمدينة أتاه جبريل وقال : ابنه سبعة أذرع طولا في السماء فلا تزخرفه ، ولا تنقشه ، فهؤلاء رأوا المنكر معروفا واتكلوا عليه فهم مغرورون في ذلك.
(وفرقة أخرى) ينفقون الأموال في الصدقات على الفقراء والمساكين ويطلبون به المحافل الجامعة ، ومن الفقراء من عادته الشكر وإفشاء المعروف ، فيكرهون التصدق في السر ، ويرون إخفاء الفقير لما يأخذ منهم خيانة عليهم وكفرانا للمعروف ، وربما تركوا جيرانهم جائعين ؛ ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب ؛ يهوى لهم السفر ، ويبسط لهم في الرزق ، ويرجعون مجرمين مسلوبين يهوى بأحدهم بعيره بين القفار والرمال ، وجاره مأثور إلى جنبه فلا يواسيه ولا يتفقده.
(وفرقة أخرى) من أرباب الأموال ؛ يحتفظون بالأموال ويمسكونها بحكم البخل ، ويشتغلون بالعبادة البدنية التي لا يحتاجون فيها إلى نفقة كصيام النهار وقيام الليل وختم القرآن. وهم مغرورون ، لأن البخل المهلك قد استولى على بواطنهم ، فهم محتاجون إلى قمعه بإخراج المال ، فاشتغلوا بطلب فضائل وهم مشتغلون عنها. ومثلهم كمثل من دخلت في ثوبه حية وقد أشرف على الهلاك ، فاشتغل بطلب السكنجبين ليسكن به الصفراء ؛ ومن لدغته الحية كيف يحتاج إلى ذلك؟ وقيل لبشر الحافي : إن فلانا كثير الصوم والصلاة ؛ فقال : المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره ، إنما حال هذا إطعام الطعام للجائع والإنفاق على المساكين ، فهو أفضل له من تجويع نفسه ومن صلاته مع جمعه الدنيا ومنعه الفقراء.
(وفرقة أخرى) غلب عليها البخل ، فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط ، ثم إنهم يخرجونها من المال الخبيث الرديء الذين يرغبون عنه. ويطلبون من الفقراء من يخدمهم ويتردد في حوائجهم ، أو من يحتاجون إليه في المستقبل للاستئجار له في الخدمة ، ومن لهم فيه على الجملة غرض ، ويسلمونها إلى شخص يعينه واحد من الكبار ممن يستظهر بخشيته لينال بذلك عنده منزلة فيقوم بحاجته ، وكل ذلك مفسد للنية ومحبط للعمل ، وصاحبه مغرور ويظن أنه مطيع لله وهو فاجر ، إذ يطلب بعبادة الله غرضا من غيره. فهذا وأمثاله مغرورون بالأموال.
