(وفرقة أخرى) حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض ؛ فترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ، ولا يجد لصلاة الفرض لذة ولا خيرا من الله تعالى ، لشدة حرصه على المبادرة بها في أول الوقت ، وينسى قوله صلىاللهعليهوسلم : " ما تقرّب المتقرّبون بأفضل من أداء ما افترضه الله عليهم".
وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور ، بل قد يتعين على الإنسان فرضان : أحدهما يفوت والآخر لا يفوت ، أو نفلان : أحدهما يضيق وقته والآخر يتسع وقته ، فإن لم يحفظ الترتيب كان مغرورا ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى فإن المعصية ظاهرة ، وإنما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض كتقديم الفرائض كلها على النوافل ، وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفايات التي لا قائم بها على ما قام بها غيره ، وتقديم الأهم من فروض الأعيان على ما دونه ، وتقديم ما يفوت مثل تقديم حق الوالدة على الوالد ، وتقديم نفقة الأبوين على الحج ، وتقديم الجمعة إذا حضر وقتها على العيد ، وتقديم الدين على فروض غيره. وما أعظم العبد أن ينفذ ذلك ويتنبه ، ولكن الغرور في الترتيب دقيق خفي لا يقدر عليه إلا العلماء الراسخون في العلم.
الصنف الثالث من المغرورين أرباب الأموال
وهم فرق كثيرة :
(فرقة منهم) يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر والصهاريج للماء وما يظهر للناس ، ويكتبون أسماءهم بالآجر عليه ليتخلد ذكرهم ويبقى بعد الموت أثرهم ، وهم يظنون أنهم استحقوا المغفرة بذلك ؛ وقد اغتروا فيه من وجهين :
أحدهما : أنهم اكتسبوها من الظلم والشبهات والرشا والجاهات المحظورة ؛ فهؤلاء قد تعرضوا لسخط الله في كسبها ، فإذا عصوا الله في كسبها فالواجب عليهم التوبة ورد الأموال إلى أهلها إن كانوا أحياء ، وإلى ورثتهم إن لم يبق منهم أحد وانقرضوا. فإن لم يبق لهم ورثة فالواجب عليهم أن يصرفوها في أهم المصالح ، وربما يكون الأهم التفرقة على المساكين ؛ فأي فائدة في بنيان يستغني عنه ويموت ويتركه؟ وإنما غلب على هؤلاء الرياء والشهرة ولذة الذكر.
والوجه الثاني : أنهم يظنون بأنفسهم الإخلاص وقصد الخير في الإنفاق وعلو الأبنية ، ولو كلف واحد منهم أن ينفق دينارا على مسكين لم تسمح نفسه بذلك ، لأن حب المدح والثناء مستكن في باطنه.
(وفرقة أخرى) ربما اكتسبوا المال الحلال ، واجتنبوا الحرام ، وأنفقوه على المساجد. وهم أيضا مغرورون من وجهين :
أحدهما : الرياء وطلب السمعة والثناء ؛ فإنه ربما يكون في جواره أو بلده فقراء وصرف المال إليهم
