مهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متّبع وإعجاب المرء بنفسه».
أما الحسد فهو متشعب من الشح ، فإن البخيل هو الذي يبخل بما في يده على غيره ، والشحيح هو الذي يبخل بنعمة الله تعالى وهي في خزائن قدرته تعالى لا في خزائنه على عباد الله تعالى ، فشحه أعظم. والحسود هو الذي يشق عليه إنعام الله تعالى من خزائن قدرته على عبد من عباده بعلم ، أو مال ، أو محبة في قلوب الناس ، أو حظ من الحظوظ ، حتى إنه ليحب زوالها عنه وإن لم يحصل له بذلك شيء من تلك النعمة ، فهذا منتهى الخبث ، فلذلك قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب».
والحسود هو المعذب الذي لا يرحم ، ولا يزال في عذاب دائم في الدنيا ، فهي لا تخلو من خلق كثير من أقرانه ومعارفه ممن أنعم الله عليهم بعلم أو مال أو جاه ، فلا يزال في عذاب دائم في الدنيا إلى موته ، ولعذاب الآخرة أشد وأكبر ، بل لا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان ما لم يحب لسائر المسلمين ما يحب لنفسه ، بل ينبغي أن يساهم المسلمين في السراء والضراء ، فالمسلمون كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضا ، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو اشتكى سائر الجسد. فإن كنت لا تصادف هذا من قلبك فاشتغالك بطلب التخلص من الهلاك أهم من اشتغالك بنوادر الفروع وعلم الخصومات.
وأما الرياء فهو الشرك الخفي ، وهو أحد الشركين ، وذلك طلبك المنزلة في قلوب الخلق لتنال بها الجاه والحشمة ، وحب الجاه من الهوى المتبع ، وفيه هلك أكثر الناس ، فما أهلك الناس إلا الناس ، ولو أنصف الناس حقيقة لعلموا أن أكثر ما هم فيه من العلوم والعبادات ، فضلا عن أعمال العادات ، ليس يحملها عليها إلا مراءاة الناس ، وهي محبطة للأعمال كما ورد في الخبر أن الشهيد يؤمر به يوم القيامة إلى النار ، فيقول : يا رب استشهدت في سبيلك. فيقول الله تعالى : بل أردت أن يقال فلان شجاع وقد قيل ذلك ، وذلك أجرك. وكذلك يقال للعالم والحاج والقارئ.
وأما العجب والكبر والفخر فهو الداء العضال ؛ وهو نظر العبد إلى نفسه بعين العزة والاستعظام ، وإلى غيره بعين الاحتقار والذل ؛ ونتيجته على اللسان أن يقول أنا وأنا ؛ قال إبليس اللعين : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [الأعراف : ١٢] وثمرته في المجالس الترفع والتقدم وطلب التصدر فيها ، وفي المحاورة الاستنكاف من أن يرد كلامه عليه.
والمتكبر هو الذي إن وعظ أنف أو وعظ عنف ؛ فكل من رأى نفسه خيرا من أحد من خلق الله تعالى فهو متكبر ، بل ينبغي لك أن تعلم أن الخير من هو خير عند الله في دار الآخرة ، وذلك غيب موقوف على الخاتمة ، فاعتقادك في نفسك أنك خير من غيرك جهل محض ، بل ينبغي أن لا تنظر إلى أحد إلا وترى أنه خير منك ، وأن الفضل له على نفسك ، فإن رأيت صغيرا قلت : هذا لم يعص الله وأنا عصيته فلا شك أنه خير مني ، وإن رأيت كبيرا قلت : هذا قد عبد الله قبلي فلا شك أنه خير مني ، وإن كان عالما قلت : هذا قد أعطي ما لم أعط ، وبلغ
