العرش وكتب مصليا إلى أن يستيقظ. فإذا استيقظت فارجع إلى ما عرفتك أولا ، وداوم على هذا الترتيب بقية عمرك ، فإن شقّت عليك المداومة فاصبر صبر المريض على مرارة الدواء انتظارا للشفاء ، وتفكر في قصر عمرك ؛ وإن عشت مثلا مائة سنة فهي قليلة بالإضافة إلى مقامك في الدار الآخرة وهي أبد الآباد. وتأمل أنك تتحمل المشقة والذل في طلب الدنيا شهرا أو سنة رجاء أن تستريح بها عشرين سنة مثلا ، فكيف لا تتحمل ذلك أياما قلائل رجاء الاستراحة أبد الآباد؟ ولا تطول أملك فيثقل عليك عملك ، وقدر قرب الموت وقل في نفسك : إن أتحمل المشقة اليوم فلعلي أموت الليلة ، وأصبر الليلة فلعلي أموت غدا ؛ فإن الموت لا يهجم في وقت مخصوص وحال مخصوص وسن مخصوص ، فلا بد من هجومه ، فالاستعداد له أولى من الاستعداد للدنيا ، وأنت تعلم أنك لا تبقى فيها إلا مدة يسيرة ، ولعله لم يبق من أجلك إلا يوم واحد أو نفس واحد ؛ فقدّر هذا في قلبك كل يوم ، وكلف نفسك الصبر على طاعة الله يوما فيوما ، فإنك لو قدرت البقاء خمسين سنة وألزمتها الصبر على طاعة الله تعالى نفرت واستعصت عليك ، فإن فعلت ذلك فرحت عند الموت فرحا لا آخر له ، وإن سوّفت وتساهلت جاءك الموت في وقت لا تحتسبه ، وتحسرت تحسرا لا آخر له ، و" عند الصباح يحمد القوم السرى" وعند الموت يأتيك الخبر اليقين (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) [ص : ٨٨].
وإذا أرشدناك إلى ترتيب الأوراد ، فلنذكر لك كيفية الصلاة والصوم وآدابهما ، وآداب الإمامة والقدوة والجمعة.
آداب الصلاة
فإذا فرغت من طهارة الخبث ، وطهارة الحدث في البدن والثياب والمكان ، ومن ستر العورة من السرة إلى الركبة ، فاستقبل القبلة قائما ، مزاوجا بين قدميك بحيث لا تضمهما ، واستو قائما. ثم اقرأ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) تحصنا بها من الشيطان الرجيم ؛ وأحضر قلبك ما أنت فيه ، وفرغه من الوسواس ، وانظر بين يدي من تقوم ومن تناجي ، واستح أن تناجي مولاك بقلب غافل وصدر مشحون بوساوس الدنيا وخبائث الشهوات ، واعلم أنه تعالى مطلع على سريرتك ، وناظر إلى قلبك ، فإنما يتقبل الله من صلاتك بقدر خشوعك وخضوعك وتواضعك وتضرعك.
واعبده في صلاتك كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فإن لم يحضر قلبك ولم تسكن جوارحك فهذا لقصور معرفتك بجلال الله تعالى ؛ فقدّر أن رجلا صالحا من وجوه أهل بيتك ينظر إليك ليعلم كيف صلاتك ، فعند ذلك يحضر قلبك وتسكن جوارحك ، ثم ارجع إلى نفسك وقل : يا نفس السوء! ألا تستحين من خالقك ومولاك ، إذ قدرت اطلاع عبد ذليل من عباده عليك وليس بيده ضرك ولا نفعك خشعت جوارحك وحسنت صلاتك ، ثم إنك تعلمين أنه مطلع عليك ولا تخشعين لعظمته! أهو تعالى عندك أقل من عبد من عباده؟ فمنا أشد طغيانك وجهلك ، وما أعظم عداوتك لنفسك!
