المرسلين صلىاللهعليهوسلم وكان محسنا رياضة نفسه من قلة الأكل والقول والنوم ، وكثرة الصلوات والصدقة والصوم ، وكان بمتابعته الشيخ البصير جاعلا محاسن الأخلاق له سيرة كالصبر والصلاة والشكر والتوكّل واليقين والقناعة وطمأنينة النفس والحلم والتواضع والعلم والصدق والحياء والوفاء والوقار والسكون والتأنّي وأمثالها ، فهو إذا نور من أنوار النبيّ صلىاللهعليهوسلم يصلح للاقتداء به ، ولكن وجود مثله نادر أعزّ من الكبريت الأحمر ، ومن ساعدته السعادة فوجد شيخا كما ذكرنا وقبله الشيخ ينبغي أن يحترمه ظاهرا وباطنا. أمّا احترام الظاهر فهو أن لا يجادله ولا يشتغل بالاحتجاج معه في كل مسألة وإن علم خطأه ، ولا يلقي بين يديه سجادته إلا وقت أداء الصلاة فإذا فرغ يرفعها ، ولا يكثر نوافل الصلاة بحضرته ، ويعمل ما يأمره الشيخ من العمل بقدر وسعه وطاقته. وأمّا احترام الباطن فهو أن كل ما يسمع ويقبل منه في الظاهر لا ينكره في الباطن لا فعلا ولا قولا لئلا يتّسم بالنفاق ، وإن لم يستطع يترك صحبته إلى أن يوافق باطنه ظاهره ، ويحترز عن مجالسة صاحب السوء ليقصر ولاية شياطين الجنّ والإنس من صحن قلبه فيصفى عن لوث الشيطنة ، وعلى كل حال يختار الفقر على الغنى. ثم اعلم ، أن التصوّف له خصلتان : الاستقامة والسكون عن الخلق ، فمن استقام وأحسن خلقه بالناس وعاملهم بالحلم فهو صوفي. والاستقامة أن يفدي حظّ نفسه لنفسه ، وحسن الخلق مع الناس أن لا تحمل الناس على مراد نفسك بل تحمل نفسك على مرادهم ما لم يخالفوا الشرع ، ثم إنك سألتني عن العبودية ، وهي ثلاثة أشياء أحدها : محافظة أمر الشرع ، وثانيها : الرضاء بالقضاء والقدر وقسمة الله تعالى ، وثالثها : ترك رضاء نفسك في طلب رضاء الله تعالى ، وسألتني عن التوكّل هو أن تستحكم اعتقادك بالله تعالى فيما وعد يعني تعتقد أن ما قدر لك سيصل إليك لا محالة وإن اجتهد كل من في العالم على صرفه عنك ، وما لم يكتب لن يصل إليك وإن ساعدك جميع العالم. وسألتني عن الإخلاص ، وهو أن تكون أعمالك كلها لله تعالى ولا يرتاح قلبك بمحامد الناس ولا تبالي بمذمتهم. واعلم ، أن الرياء يتولّد من تعظيم الخلق ، وعلاجه أن تراهم مسخرين تحت القدرة وتحسبهم كالجمادات في عدم قدرة إيصال الراحة والمشقّة لتخلص من مراءاتهم ، ومتى تحسبهم ذوي قدرة وإرادة لن يبعد عنك الرياء.
أيها الولد : والباقي من مسائلك بعضها مسطور في مصنفاتي فاطلبه منه وكتابة بعضها حرام ، اعمل أنت بما تعمل ليكشف لك ما لم تعلم.
أيها الولد : بعد اليوم لا تسألني ما أشكل عليك إلا بلسان الجنان قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) [الحجرات : ٥]. واقبل نصيحة الخضر عليهالسلام حين قال : (فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً) [الكهف : ٧٠]. ولا تستعجل حتى تبلغ أو أنه يكشف لك وتراه : (سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) [الأنبياء : ٣٧]. فلا تسألني قبل الوقت: وتيقن أنك لا تصل إلا بالسير لقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) [الروم : ٩. غافر : ٢١].
أيها الولد : بالله إن تسر تر العجائب في كل منزل ، وابذل روحك فإن رأس هذا الأمر بذل الروح كما قال ذو النون المصري رحمهالله تعالى لأحد من تلامذته : إن قدرت على بذل الروح فتعال وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية.
