إلى غير القبلة.
قلت : فإذا كان من جعل القبلة خلفه معذورا مأجورا فلا يبعد أن يكون من أخطأ في سائر الاجتهادات معذورا ، فالمجتهدون ومقلدوهم كلهم معذورون بعضهم مصيبون ما عند الله وبعضهم يشاركون المصيبين في أحد الأجرين ، فمناصبهم متقاربة وليس لهم أن يتعاندوا ، وأن يتعصب بعضهم مع بعض لا سيّما والمصيب لا يتعين وكل واحد منهم يظن أنه مصيب كما لو اجتهد مسافران في القبلة فاختلفا في الاجتهاد فحقهما أن يصلي كل واحد منهما إلى الجهة التي غلبت على ظنه وأن يكف إنكاره وإعراضه واعتراضه على صاحبه لأنه لم يكلف إلا استعمال موجب ظنه. أما استقبال عين القبلة عند الله فلا يقدر عليه ، وكذلك كان معاذ في اليمن يجتهد لا على اعتقاد أنه لا يتصور منه الخطأ لكن على اعتقاد أنه إن أخطأ كان معذورا ، وهذا لأن الأمور الوضعية الشرعية التي يتصور أن تختلف بها الشرائع يقرب فيها الشيء من نقيضه بعد كونه مظنونا في سر الاستبصار ، وأما ما لا تتغير فيه الشرائع فليس فيه اختلاف ، وحقيقة هذا الفصل تعرفه من أسرار اتباع السنة وقد ذكرته في الأصل العاشر من الأعمال الظاهرة من كتاب جواهر القرآن.
وأما الصنف الثالث : وهم أهل الجدل فإني أدعوهم بالتلطف إلى الحقّ ، وأعني بالتلطف أن لا أتعصب عليهم ولا أعنفهم لكن أرفق وأجادل بالتي هي أحسن ، وكذلك أمر الله تعالى رسوله ، ومعنى المجادلة بالأحسن أن آخذ الأصول التي يسلمها الجدلي وأستنتج منها الحق بالميزان المحقق على الوجه الذي أوردته في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد ، وإلى ذلك الحدّ فإن لم يقنعه ذلك لتشوّقه بفطنته إلى مزيد كشف رقيته إلى تعليم الموازين فإن لم يقنعه لبلادته وإصراره على تعصبه ولجاجه وعناده عالجته بالحديد ، فإن الله سبحانه جعل الحديد والميزان قريني الكتاب ليفهم منه أن جميع الخلائق لا يقومون بالقسط إلا بهذه الثلاث ، فالكتاب للعوام ، والميزان للخواص ، والحديد الذي فيه بأس شديد للذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولا يعلمون أن ذلك ليس من شأنهم ، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم دون أهل الجدل ، وأعني بأهل الجدل طائفة فيهم كياسة ترقوا بها عن العوام ولكن قياستهم ناقصة إذا كانت الفطرة كاملة ، لكن في باطنهم خبث وعناد وتعصب وتقليد ، فذلك يمنعهم عن إدراك الحق وتكون هذه الصفات أكنة على قلوبهم أن يفقهوه وفي آذانهم ووقرا ، لكن لم تهلكهم إلا كياستهم الناقصة ، فإن الفطنة البتراء والكياسة الناقصة شر من البلاهة بكثير ، وفي الخبر : أن أكثر أهل الجنة البله وأن عليين لذوي الألباب ، ويخرج من جملة الفريقين الذين يجادلون في آيات الله وأولئك أصحاب النار ويزع الله السلطان ما لا يزع بالقرآن ، وهؤلاء ينبغي أن يمنعوا من الجدال بالسيف والسنان كما فعل عمر رضي الله عنه برجل إذ سأله عن آيتين متشابهتين في كتاب الله تعالى فعلاه بالدرة ، وكما قال مالك رضي الله
