من شر الأسد شيئا ، أنت على يقين تام بأنها لا تغني عنه شيئا حتى يستعملها فيما قصد منها ، فكذلك لو أن شخصا علم مائة ألف مسألة ولم يعمل بواحدة ، فأنت تعلم أن هذا العلم لا يفيده فائدة ما. ولنضرب لك مثالا آخر فنقول : لو أن شخصا به مرض وضعف من الحرارة والصفراء وعلم علما ليس معه شك أن شفاءه في تناول السكنجبين ولكنه لم يتناوله ، فهذا العلم ليس بنافع في الشفاء ولا دافع للداء حتى يعمل به :
|
لو كلت ألفي رطل خمر لم تكن |
|
لتصير نشوانا إذا لم تشرب |
فاعلم أنه لا يفيدك كثرة تحصيل العلم وجمع الكتب ما لم تعمل.
يا ولدي : إن لم تكن مستعدا لائقا لرحمة الإله عزوجل بالعمل الصالح لم تصل إليك رحمته. واسمع الدليل من القرآن (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) [النجم : ٣٩].
يا ولدي : إن ظننت أن هذه الآية منسوخة فما ذا تقول في قوله تعالى في آيات أخرى : (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً) [الكهف : ١١٠]. وفي قوله : (جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) [الواقعة : ٢٤]. وفي قوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً* خالِدِينَ فِيها) [الكهف : ١٠٧ ، ١٠٨]. وفي قوله : (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً) [الفرقان : ٧٠]. وما ذا تقول في حديث : «بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله ، وإقام الصّلاة ، وإيتاء الزّكاة وصوم رمضان ، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا». وفي حديث : «الإيمان إقرار باللّسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان» والدلائل على أن سلامة العبد بالعمل كثيرة لا تعد ولا تحصى. فإن خطر لك من كلامي أن العبد يدخل الجنة بعمله لا بفضل الله ورحمته فما فهمت كلامي؟.
واعلم أني لا أقول ذلك بل أقول إن العبد يدخل الجنة بفضل الله وكرمه ورحمته ، غير أن رحمة الله تعالى لا تصل إلى العبد إلا إذا كان مستعدا لها ولائقا لأن يكون محلا لها ولا يكون كذلك إلا بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات وملازمة الطاعات والقرب والإخلاص في العمل كما يشير إليه قول الله تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف : ٥٦]. حيث أخبر تعالى بقرب رحمته من المحسنين ، وقد قال صلىاللهعليهوسلم : «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه» ، فهو يفيد بعد رحمته من غير المحسنين. فإن لم تكن مستعدا لرحمته على الوجه المذكور لا تصل إليك رحمته ، وإذا لم تصل إليك رحمته لا تدخل الجنة ، فإن قال أحد إن العبد يدخل الجنة بمجرد الإيمان. قلنا : نعم. ولكن حتى يذوق صعوبة العقبات التي لا يسهلها إلا صالحات الأعمال إذ لا يصل العبد إليها إلا بالعبور على الصراط ، وما مشينا عليه إلا على صورة مشينا على الصراط المعنوي في هذه الدار وما اختلف الناس في السرعة والبطء إلا باختلافهم هنا في المبادرة إلى الطاعة والتخلف عنها ، فمن تحفظ هناك حفظ هناك ومن أبطأ هنا زلت به قدمه هناك ، كما أن شربنا من حوض النبي صلىاللهعليهوسلم يكون بقدر تضلعنا من الشريعة
