فصل في بيان حد التواضع وحقيقته ونهايته وعلامته
وعلى الجملة فالتواضع متخلق بأخلاق الله تعالى وكفى بها شرفا في الآخرة وهو معنى قولهصلىاللهعليهوسلم : «من تواضع لله رفعه الله». فأما حد التواضع : فهو ضبط الأحوال والاختيار عن التفريط والإفراط فلا تتكبر ولا تتخاسس. وأما حقيقته : فهو الذل والإذعان والانقياد للحق بسهولة والحق يطلق على الله تعالى وعلى أمره. وأما نهايته : فهو أن لا يحس بالذل إذا مدح ولا يتألم بالذم إذا ذم لعلمه بحكمة الله سبحانه وتعالى وتوحده بالأفعال ، لأن العبد لا يحس بالذل بين يدي سيده وهذه طريقة الموحدين ، لأن المتواضع يرى لنفسه قدرا فيضعه والموحد لا يرى لنفسه قدرا حتى يضعه. فالمتواضع ضابط لأفعاله الاختيارية فلا يتكبر ولا يتخاسس ، وإن جرى عليه ذل من غير اختياره ، وطريقة الأولياء الرضى ووجدان اللذة ، لأنه جرى بقدر الله تعالى وعلمه وإرادته فهو لا يحس بالذل لقصور نظره على حكم الله تعالى وجميل فعله إنما يحس بالذل المتكبر الجاهل الغافل القاصر نظره على فعل الأفعال ، وكلما كان أكثر ذلا كان أكثر كبرا. وأما العلماء بالله تعالى فلا يشهدون لغير الله ولا يتهمونه في حكم من الأحكام ، بل يعرفون أن ذلك علامة كرامتهم.
وقد أشار بعض الأئمة رحمهمالله تعالى إلى أن المعرفة لا توجد إلا في قلوب المتواضعين الذين صار الذل صفتهم الذاتية فهم بقدرة الله تعالى ونظره ينقلبون إن رفعوا إلى السماء لم يزدادوا في نفوسهم كمالا وإن خفضوا إلى منتهى الخفض لم يجدوا في أنفسهم نقصا كذلك ، لأنهم مسلوبو الإرادة والاختيار لعلمهم أن الكمال المطلق فيما حكم الله تعالى به وقضاه فيهم ، ولأنهم يجدون المزيد من الله تعالى في أحوالهم بذلك فهو رتب المقربين. وأما الصالحون فتواضعهم على قدر معرفتهم بنفسهم وربهم. وأما علامة التواضع : فهو أن لا يأنف من الحق إذا أمر به ، فإن وجد في نفسه ألفة من ذلك فهو متكبر عن قبول الحق وذلك معصية كبيرة ، والله تعالى أعلم.
الباب الثالث والعشرون
في بيان معنى الفكر ومقدماته ولواحقه
فمقدماته مساع وتيقظ وذكر ولواحقه العلم ، لأن من سمع تيقظ ، ومن تيقظ تذكر ، ومن تذكر تفكر ، ومن تفكر علم ، ومن علم عمل إن كان علما يراد للعمل ، وإن كان علما يراد لذاته سعد والسعادة غاية المطلب.
أما السماع : فحقيقته الانتفاع بالمسموع من حكمة أو موعظة وما يضاهيهما ، وشرطه الاستماع وهو الإصغاء وهو واجب في استماع كل علم هو فرض عين مدركه السمع ومستحب فيما سواه في العلوم المحمودة ويحرم فيما حرم الشارع من المحرمات ويكره فيما يكره استماعه.
وأما اليقظة : فحقيقتها انتباه القلب للخير. وعلامة الانتباه : القومة والنهوض عن ورطة
