الرسل صلّى الله عليهم وسلّم ، وحسن الخلق : هو الجامع لهما ولا أعلم خصلة تزيد عليه في الفضل ، ولذلك امتدح الله تعالى به نبيه محمدا صلىاللهعليهوسلم فقال تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم : ٤]. وقال تعالى : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر : ١٠]. والكلم الطيب هو التوحيد والمعرفة والعمل الصالح هو طهارة القلب الرافعة لقدر التوحيد والمعرفة ، ومعنى الرفعة هو حضور القلب وتأثره بهما لينقاد خضوعا ومسكنة ومهابة. فحينئذ يكون قريبا من الله تعالى. فأما حقيقة حسن الخلق : فاعلم أن للإنسان صورة باطنة وهي التي بعثت الأنبياء صلىاللهعليهوسلم بتقويمها وتزكيتها وكمال اعتدالها وذلك أن تصدر عنها الأخلاق المحمودة بسهولة بلا روية ولا فكر. وهذا هو معنى حقيقة حسن الخلق ، وسوء الخلق يكون بعكس ذلك. واعلم أن جملة الأخلاق المحمودة والمذمومة تصدر عن ثلاث صفات هن كالأمهات :
الصفة الأولى : العقل وقوته واعتداله بالعلم والحكمة وحقيقة الحكمة معرفة الحق من الباطل في الاعتقادات والصدق من الكذب في الأقوال والحسن من القبيح في الأفعال.
الصفة الثانية : قوة الغضب الدافعة للضرر وهي خلقت لذلك فكمالها واعتدالها أن تكون منقادة للحكمة إن أشارت الحكمة لها بالاسترسال استرسلت أو بالانقباض انقبضت كالكلب المعلم.
الصفة الثالثة : قوة الشهوة الجالبة للنفع وهي خلقت أيضا مطيعة للعقل فحسنها واعتدالها في إذعانها للحكمة. واعلم أن المطلوب من الأخلاق الاعتدال والوقوف على وسط الأمور لقوله تعالى : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء : ٢٩]. فصار العدل من هذه الصفات الثلاث ركنا رابعا. فأما مثال الاعتدال في الصفات فاعلم أن قوة الحكمة لها إفراط وتفريط ووسط والوسط هو المحمود المسمى بالحكمة فبحسبها واعتدالها يصدر عنها التدبير وجودة الذهن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس ، وأما إفراطها فيصدر عنه المكر والخداع والدهاء وشبه ذلك ، ومن تفريطها يصدر البله والغباوة والحمق والجنون. فأما الغباوة : فهي قلة التجربة والحمق صحة القصد مع فساد السلوك والجنون فسادهما جميعا. وأما قوة الغضب : فلها اعتدال يسمى الشجاعة يصدر عنه الكرم والنجدة وكظم الغيظ والوفاء بالعهد ، ولها إفراط يصدر عنه التكبر والعجب والاستشاطة وشبه ذلك ، ولها تفريط يصدر عنه المهانة والذلة والجزع والانقباض مع تناول الحق الواجب. وأما قوة الشهوة : فلها اعتدال يسمى العفة يصدر عنه السخاء والصبر والورع والمساعدة وقلة الطمع ، ولها إفراط يصدر عنه الحرص والشره وشبههما ، ولها تفريط يصدر عنه الحسد والمشاتمة والعتب وشبه ذلك ، فأمهات محاسن الأخلاق الحكمة والشجاعة والعفة والعدل المكمل لكل واحدة من الثلاث ، وما سوى ذلك فروع لهذه الأربعة ، ولم يبلغ كمال هذه الأربع إلا سيدنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وبالله التوفيق.
