والفرح في ما يتحرك به الإنسان لإظهاره ، لأنه يهز عمق الكيان بما يشبه الزلزال ، وقد يؤكد هذا المعنى قوله : (لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها) فإن الربط على القلب يستعمل دائما للتعبير عما يثبّت القلب ويقوّيه ، تماما كما يربط على الشيء المنفلت ليقرّ ويطمئن ، وذلك بإلهام الصبر والتسليم لأمر الله ووعده.
وعليه يكون معنى قوله (إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) أي لتبدي بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحا وسرورا بما سمعت لو لا أن طمأنّا قلبها وسكنّا قلقه الذي حدث به من شدة الفرح والابتهاج (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) المصدّقين بوعد الله سبحانه المستسلمين لقضائه وقدره. ولعل دراسة الآية توحي بأن أم موسى لم تكن قد عرفت تفاصيل ما حدث لو ولدها عند فرعون كما يوحي بذلك قوله تعالى : (وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) أي حاولي أن تقتفي أثره لتعرفي ماذا حلّ به؟ وأين استقر مكانه؟ ومن الذي احتضنه؟ ولو كانت تعرف ما حدث له عند فرعون ، لما كان هناك حاجة إلى أن تطلب من أخته أن تقتص أثره ، لأن اقتفاء الأثر ينطلق من حالة الرغبة في معرفة نهاية الشيء أو طبيعته .. وحاولت أخته أن تعرف ذلك فسألت وبحثت (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) أي عن بعد (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) لأنها لم تحاول أن تظهر اهتمامها بالموضوع ، بحيث يلوح ذلك في حركاتها ، بل نظرت إليه في أيدي الخدم نظرة عابرة ، كأيّ شخص ينظر إلى الأشياء التي حوله بشكل طبيعي.
(وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ) فلم يقبل على ثدي أية مرضعة منهن مما جعلهم يعيشون مشكلة صعبة في تغذيته للإبقاء على حياته ، وكانت أخته قد اقتربت من الجوّ أكثر بحيث أمكنها أن تعطي رأيا ، أو تشير بموقف ، وقد عرفت طبيعة المشكلة ، وقررت أن تتدخل ليرجع الولد إلى أمّه من خلال إحساسها الخفي بأن هناك وضعا غيبيا خفيا لتحقيق الوعد الإلهي بعودته إلى أمه ، في ما كانت تعيشه بالإلهام الداخلي الذي كانت تختزنه في وعيها الخاص (فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ) ولعل من
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
