الله عالم الغيب
(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ) لأنه هو وحده الذي يملك السموات والأرض في كل آفاقها وأوضاعها وقضاياها وأسرارها ، لأنه الخالق الذي يعرف كل سرّ خلقه من خلال إحاطته به وهيمنته عليه. أمّا غيره من كل هذه الموجودات الحية ، فلا يملك من أمر السماء والأرض شيئا إلا ما ملّكه الله منهما ، ولا يعلم من أسرارهما شيئا إلّا ما عرفه الله منهما. فهو وحده الذي يعلم الغيب ويدبّر الكون من خلال علمه كما يدبره من خلال قدرته. فكيف يمكن أن يكون هؤلاء الذين يتخبطون في ظلمات الجهل في ما يحسّونه ، وما لا يحسّونه ، آلهة يشاركون الله ألوهيته وهم لا يملكون من خصائصها شيئا ، حتى في خصوصيات المعرفة للمستقبل التي تعتبر عنصرا ضروريا للتخطيط الكوني ، (وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) فهم يواجهون مستقبل الآخرة التي يتحدد فيها أمر المصير ، بنظرة حائرة لا يملكون معها أيّ موقع للمعرفة ، ليكون ذلك أساسا لتدبير أمورهم فضلا عن تدبير أمور غيرهم ، فكيف يمكن أن يكونوا آلهة؟
(بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) أي انقطع علمهم بالآخرة وزال بحيث لم يبق منه شيء انطلاقا من استغراقهم في علمهم بالجهات الأخرى من الدنيا حتى نفد علمهم ، فلم يبق منه شيء يدركون به أمر الآخرة ، وعلى هذا الأساس كان علمهم بها ساقطا كما لو كان موجودا ثم ذهب باعتبار وجود الاستعداد له وعدم صرفه فيها. وهناك وجه آخر وهو ، أن «ادّراك» بمعنى تكامل واستحكم ، وتطبيق ذلك في معنى الآية على وجهين ـ في ما ذكره صاحب الكشاف ـ أحدهما : «أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب منه ، قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته ، وهم شاكون جاهلون وهو قوله (بَلْ هُمْ فِي
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
