ومظاهره التي توحي بعظمة الخلق وقوّة الخالق ، وهو الذي يعيده ويرجعه كما كان بالبعث ، لأن القدرة على الإيجاد من عدم تدل على القدرة على الإعادة بعد الموت ، لأنّ عمق القدرة لا يختلف في البداية عن النهاية ، بل قد تكون البداية أكثر صعوبة من الإعادة ، لأنها تنطلق من دون مثال ، بينما تكون الإعادة من خلال المثال ، وتلك هي الحقيقة الإلهية التي لا بد للناس من أن يخضعوا لها من موقع الوجدان الذي يتطلع إلى الأشياء بوعي ، ويحاكمها بفكر ، ويبلغ نتائجها بإيمان.
(وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) في ما أودعه في السماء من أسباب الرزق من الأمطار ونحوها ، وفي ما جعله في الأرض من الأسباب التي تدفع إلى الناس بكل ما يحتاجونه من أصناف الغذاء التي تقيم حياتهم وتحفظ وجودها ، (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ (١) هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في دعواكم الشرك. فإن مسألة الصدق والكذب في قضايا العقيدة تنطلق من الأدلة والبراهين التي يقيمها كل فريق على صحة دعواه ، في ما توحي به من عناصر الحقيقة الكامنة فيها. وهكذا ترون مما قدمناه لكم من الأدلة على وحدانية الله في قدرته وفي عظمته ، وفي خضوع كل شيء في الوجود له ، وفي ارتباط كل موجود به من خلال حاجته المطلقة إليه ، واستغنائه عنهم جميعا ، ما يدل على أنّه الله الواحد الذي لا شريك له. فإذا كنتم تنكرون ذلك وتلتزمون الشرك ، فقدّموا لنا البرهان عليه لنناقشه من موقع الفكر ، لتكون الحقيقة بنت الحوار ، وليكون الحوار الهادىء العميق أساس الوصول إلى النتائج الحاسمة في المعرفة ، فبذلك يحترم الإنسان نفسه ، ويحترم حركة الحياة من حوله.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
