صادِقِينَ) فالله ـ سبحانه وتعالى ـ يتحدى هؤلاء المقتدين بأن يأتوا بدليل واحد على أن هذا القرآن ليس من عند الله ، وإنما هو من افتراءات محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ذلك أن محتوى دعواهم يذهب الى أن هذا القرآن إذا كان من صنع بشر ، فلا ريب أنه في متناول الناس الإتيان بمثله ، لأنه لن يكون عندها ذلك الكتاب المعجز ، وبالتالي فإن عجزهم عن الإتيان بمثله دليل على كذبهم وكذب دعواهم من جهة ، ودليل على كونه من الله تعالى من جهة أخرى.
إلا أن هؤلاء الذين لا يحترمون عقولهم ، فلا يوجهونها إلى التفكير والبحث عن الحقيقة ، ولا يتحملون مسئوليّة المصير ، فيبتعدون بخطواتهم عن السير في الاتجاه الصحيح ، فينكرون من دون أساس للإنكار ، ويكذّبون من دون حجّة على التكذيب (بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) ولم يملكوا حجته ، فإن من الطبيعيّ للجاهل أن يتوقف عند حدود جهله ، فلا يثبت ولا ينفي إلّا إذا انطلق في البحث إلى نتيجة إيجابيّة أو سلبيّة حاسمة ، ولكن كثيرين من الجهّال الذين لا يطيقون البحث ، يستعجلون التكذيب ليبرّروا بذلك انحرافهم وابتعادهم عن المسؤوليّة التي يمثلها خط الحق ، ثم يتحوّل الأمر عندهم إلى عقدة مرضيّة مستعصية تدفعهم إلى محاربته والاعتداء على رموزه. وقد ورد في حديث الإمام علي عليهالسلام : «الناس أعداء ما جهلوا» (١). وهكذا كذّب هؤلاء بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) وتفسيره في ما يشتمل عليه من حقائق وأسرار ، ولكنها ليست أوّل بادرة تصدر من المكذبين الجاهلين ، بل هي سيرة البشريّة الكافرة التي لم ينطلق كفرها من موقع الحجة والبرهان ، بل من موقع العقدة المعادية ، (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، فأخذهم الله بكفرهم وذنوبهم ، (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان ، فعرّضوها للخزي في
__________________
(١) ابن أبي طالب عليهالسلام ، علي ، نهج البلاغة ـ (المعجم المفهرس) دار التعارف للمطبوعات ، ط : ١ ، ١٠٤١ ه ـ ١٩٩٠ م ، قصار الحكم : ١٧٢ ، ص : ٣٧٨.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
