الخطاب إلى الغيبة ، ليرجع إلى الحديث عن الظاهرة في جوّها الشامل الذي يتعدى المخاطبين إلى جميع الناس (جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ) وتلبّد الجوّ واكفهرت السماء (وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) فلم يجدوا مجالا للتخلص من هذه الأمواج العاتية التي ترغي وتزبد وتحاصرهم من جميع الجهات (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) في نوبة من نوبات الإيمان الطارئ الذي يطفو على سطح النفس ليستنجد به في ما يعتقد أنه يقرّبه إلى الله ، فينجيه من الموت المحتّم ، (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) الذين يشكرونك بالإيمان والطاعة في مستقبل الأيّام. واستجاب الله هذا الدعاء ، ليعرّفهم بأن الله رحيم بعباده ، وأنه يعطيهم الفرصة للتراجع ، ليقوّي فيهم دوافع الإيمان وعناصر الالتزام. وهدأ الموج ، وعاد البحر هادئا ساكنا ، وجرت الريح من جديد ، تماما كما هو النسيم العليل الهادىء في انطلاقة الصباح ، وغرقوا في سبات عميق ، وبدأت اليقظة تزحف إلى عيونهم بعد ذلك ، ولكن الظلام الروحي عاد من جديد إلى الأعماق ، ليعيدهم إلى أجواء الشك والريبة والتمرّد.
* * *
البغي بعد النجاة
(فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) فيكفرون ويظلمون ويتمردون ويتحركون في الخط المنحرف ، بعيدا عن الله وعن صراطه المستقيم ، ويخيّل إليهم أنهم استطاعوا أن يخدعوا الله بأساليبهم هذه ، فتمتلئ نفوسهم شعورا بالزهو والخيلاء. ولكن الله يواجههم بالحقيقة الواضحة ، فليست القصة في حسابات النجاح والفشل هي قصة اللحظة الحاضرة التي قد
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
