ينطلقون في ذلك من موقف ضعف في الإيمان ، بل من موقف رخصة لهم في ذلك. وفي ضوء هذا ، لم يكن هناك مجال لظهور نفاقهم ـ في مواقع التمايز بين الصادقين والكاذبين ـ أمام الملأ كافة ، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) من موقع التجربة الحيّة أمام الأوامر الحاسمة التي لا عذر لأحد في مخالفتها في ما توحي به من الشمول والإلزام.
* * *
الخط الفاصل بين سلوك المؤمنين وغير المؤمنين
وتنطلق الآيات لتوضّح الخط الفاصل بين سلوك المؤمنين وسلوك غير المؤمنين في القضايا التي تمثّل الإخلاص لله ، في ما يتصل بقضية المصير في مسألة المواجهة بين الكفر والإيمان في المعركة الفاصلة ، ليكون ذلك هو الميزان الذي توزن به الأشياء في تقييم الأشخاص والمواقف. (لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) لأنهم يعيشون الإخلاص لله ، والطاعة لأوامره ، والمحافظة على دينه ، والرغبة في ثوابه ، والحصول على رضاه ، ولذلك فإنهم يتحركون في مواقف الجهاد من هذا الموقع ، فلا يلتمسون العذر في التخلف عنه ، بل يعملون على إزالة الموانع في الانطلاق نحوه ، لأنهم لا يرونه مشكلة شخصيّة لهم ، بل حلّا لمشكلة الإسلام في صراعه مع الكفر ، مما يرون فيه المسؤولية الكبيرة التي تفرض عليهم أن يقدّموا أموالهم وأنفسهم قربانا لله في هذا السبيل ، الذي تتجسد فيه خطوط التقوى ، وحركيّتها وفاعليتها في حياة الفرد والأمّة (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) بسبب ما يعلمه من صدق الإخلاص في قلوبهم ، ودقّة الالتزام في سلوكهم ، وصفاء العقيدة في أرواحهم.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
