على حقيقتهم ، فيرفضوهم من موقع الحقيقة الداخلية التي تنكشف من خلال تصرّفاتهم ، فالمسألة تدخل في دائرة مخالفة ما هو الأولى في التصرف ، وليس في ذلك انتقاص من عصمته وانسجامه مع الخطّ الذي يريد الله له أن يسير فيه ، فقد ترك الله للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مساحة يملك فيها حريّة الحركة من خلال ما يدبّر به أمر الأمة بالوسائل العادية المألوفة التي قد تخطئ في بعض مجالاتها ، لا بالوسائل الغيبيّة التي لا يملكها بطريقة ذاتيّة ، لم يكشفها الله له بشكل مطلق ، تماما كما هي الحال في ممارسته القضاء بين الناس حيث قال: «إنما أقضي بينكم بالأيمان والبيّنات» (١).
* * *
معنى خطأ النبي
وليست هناك مشكلة أن يقع الخطأ ، في ما هو الواقع في رصد الأشياء الخفيّة من خلال غموض الموضوع لعدم وضوح وسائل المعرفة لديه ، ما دام الغيب محجوبا عنه ، إلّا في ما أوحى به الله إليه من أسرار علمه. وهذا ما أراد القرآن تأكيده في أكثر من آية ، في توضيحه لكثير من حقائق الأمور بعد وقوعها وتحرّكها في دائرة خلاف الأولى ، في ما كان وجه الصلاح غامضا فيه من جهة ظواهر الأشياء ، كما في هذه المسألة التي أراد الله أن يوحي من خلالها بالحقيقة إلى نبيّه ، الذي أذن لهم في عدم الخروج انطلاقا من سموّ أخلاقه وسعة صدره ومواجهته الحالة بالرفق واللين ، من خلال ما حدثنا الله به عن أسلوبه في الحياة. ولكن القوم لم يكونوا بالموقع الذي يستحقون فيه ذلك ، وهكذا كان خطابه لنبيّه بأسلوب العتاب المحبّب (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) في ترك الخروج ، فقد اعتبروا ذلك حجّة لهم أمام المسلمين الآخرين في تأكيد صدقهم في الإيمان ، وانسجامهم مع خط الطاعة لله وللرسول ، فهم عند ما يتخلّفون ، لا
__________________
(١) الكليني ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية ـ طهران ، ج : ٧ ، ص : ٤١٤ ، رواية : ١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
