وأصابوا منه غنيمة عظيمة ، وانصرفوا إلى الكوفة بقوة وأسلحة.
* * *
ودخل أبو السرايا إلى محمد بن إبراهيم وهو عليل يجود بنفسه فلامه على تبييته العسكر ، وقال :
أنا أبرأ إلى الله مما فعلت ، فما كان لك أن تبيتهم ، ولا تقاتلهم حتى تدعوهم ، وما كان لك أن تأخذ من عسكرهم إلّا ما أجلبوا به علينا من السلاح.
فقال أبو السرايا : يابن رسول الله ، كان هذا تدبير الحرب ، ولست أعاود مثله. ثم رأى في وجه محمد الموت فقال له : يابن رسول الله ، كل حي ميت ، وكل جديد بال ، فاعهد إليّ عهدك.
فقال : أوصيك بتقوى الله ، والمقام على الذب عن دينك ، ونصرة أهل بيت نبيك (ص) ، فإن أنفسهم موصولة بنفسك ، وول الناس الخيرة فيمن يقوم مقامي من آل علي ، فإن اختلفوا فالأمر إلى علي بن عبيد الله ، فإني قد بلوت طريقته ، ورضيت دينه.
ثم اعتقل لسانه ، وهدأت جوارحه ، فغمضه أبو السرايا وسجّاه ، وكتم موته (١) ، فلما كان الليل أخرجه في نفر من الزّيدية إلى الغري فدفنه.
فلما كان من الغد جمع الناس فخطبهم ، ونعى محمدا إليهم وعزاهم عنه ، فارتفعت الأصوات بالبكاء إعظاما لوفاته ، ثم قال :
وقد أوصى أبو عبد الله رحمة الله عليه إلى شبيهه ومن اختاره ، وهو أبو الحسن علي بن عبيد الله ، فإن رضيتم به فهو الرضا ، وإلّا فاختاروا لأنفسكم.
فتواكلوا ونظر بعضهم إلى بعض ، فلم ينطق أحد منهم فوثب محمد بن محمد بن زيد (٢) وهو غلام حدث السن ، فقال :
يا آل علي : فات الهالك النجا ، وبقي الثاني بكرمه ، إنّ دين الله لا ينصر بالفشل ، وليست يد هذا الرجل عندنا بسيئة ، وقد شفي الغليل ، وأدرك الثأر ، ثم التفت إلى علي بن عبد الله فقال : ما تقول يا أبا الحسن رضي الله عنك؟ فقد وصانا بك ، امدد يدك نبايعك ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
__________________
(١) راجع الطبري ١٠ / ٢٢٧.
(٢) ابن الأثير ٦ / ١١٢.
