المعنى العام للمجموعة الأولى في فقرة الربا :
لما ذكر الله تعالى ، الأبرار المؤدين النفقات ، المخرجين الزكوات ، المتفضلين بالبر ، والصدقات لذوي الحاجات ، والقرابات ، في جميع الأحوال ، والأوقات ، شرع في ذكر أكلة الربا ، وأموال الناس بالباطل. وأنواع الشبهات. فأخبر في الآية الأولى من هذه الفقرة كيف أن أكلة الربا لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلى بعثهم ، ونشورهم ، إلا كما يقوم المصروع حال صرعه ، وتخبط الشيطان له. ذلك التخبط المعرف ، المنكر. وإنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه. إذ اعترضوا على الله في تحريمه الربا ، من أنه ـ في زعمهم ـ شبيه بالبيع. وهذا اعتراض منهم على شرع الله مع علمهم بتفريق الله بين هذا ، وهذا. إذ هذا محرم ، أفظع تحريم. وهذا مباح. والله هو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون. وهو العالم بحقائق الأمور ، ومصالحها. وما ينفع عباده فيبيحه لهم. وما يضرهم فينهاهم عنه. وهو أرحم بهم من الوالدة بطفلها. ثم بين الله عزوجل أنه من بلغه نهي الله عن الربا ، فانتهى ، فله ما كان أكل من الربا قبل التحريم. أي : قبل نزول هذا النص. ومن فعل الربا بعد بلوغه نهي الله عنه ، فقد استوجب العقوبة ، وقامت عليه الحجة ، واستحق الخلود في النار.
وفي الآية الثانية من هذا المقطع يخبر تعالى أنه يمحق الربا. أي : يذهبه ، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه ، أو يحرمه بركة ماله. فلا ينتفع به. بل يعدمه في الدنيا ، ويعاقبه عليه يوم القيامة. بينما هو جل جلاله ، يبارك وينمي ، ويكثر الصدقات ، بأن يضاعف لأصحابها أجورهم. وإنما ذكر بركة الصدقة يوم القيامة ، ولم يذكر تنمية الأموال المزكاة في الدنيا ـ مع أنه كائن ـ تبيانا لقصد أصحابها ، وإشعارا بأن الدنيا هينة ، وأن الآخرة هي الهدف. ثم ختم الله عزوجل هذه الآية بتبيان أنه لا يحب كل كفور القلب ، أثيم القول والفعل. والمناسبة بين بداية الآية وخاتمتها ، هي : أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال ، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح ، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة. فهو جحود لما عليه من النعمة ، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.
![الأساس في التفسير [ ج ١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3117_alasas-fi-altafsir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
