صام الإنسان وأقام فرائض شهر الصوم ، وسننه ، فإنه يخرج بزاد من التقوى يحمله سنة. فالصلاة في أوقاتها ، والصوم في وقته ، والحج إذا أدي ، والإنفاق إذا كان ، كل ذلك زاد القلب المتكامل الذي من آثاره القيام بأمر الله في كل شىء والذي من ثمراته الاستقامة على أمر الله. ولنعد إلى التفسير :
(أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) أي : كتب عليكم أن تصوموا أياما مؤقتات بعدد معلوم. وهذا يفيد القلة فكأنه إشعار بسهولة ما كلفنا به (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي : فمن كان منكم يخاف من الصوم زيادة المرض ، أو بطء البرء ، أو يخاف المرض بسبب الصوم بغلبة الظن ، إما بإمارة ، أو تجربة ، ولو كانت من غير المريض عند اتحاد المرض ، أو بإخبار طبيب حاذق مسلم عدل ، أو مجهول الحال ، لم يظهر له فسق ولا عدالة. أو كان مسافرا سفرا شرعيا ، بأن يكون قاصدا موضعا يبعد عن بلده مسافة واحد وثمانين كيلومترا ـ على اجتهاد بعضهم ـ بشرط أن يكون قد أنشأ السفر قبل الفجر ، ليصح له أن يفطر اليوم الأول وذلك يقتضي أن يكون متلبسا بالسفر عند الفجر ـ على الرأي الأحوط ـ فأفطر فعليه صيام عدد أيام فطره. والعدة بمعنى : المعدوم. أي : أمر أن يصوم أياما معدودة بدل أيام مرضه وسفره. (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) في هذا النص اتجاهان رئيسيان ، الاتجاه الأول : أنه قبل : (يُطِيقُونَهُ) توجد (لا) مقدرة فصار المعنى : وعلى الذين لا يستطيعونه ، كالشيخ الفاني الذي فنيت قوته ، وعجز عن الأداء وهو في تناقص إلى أن يموت ، والعاجز عن الصوم عجزا مستمرا ، والمريض اليائس من الصحة ، فهؤلاء يفطرون وعليهم فدية وجوبا إطعام مسكين يوما عن كل يوم. أو أن يدفع إليه نصف صاع من بر ، أو صاعا من غيره عن كل يوم ، أو ثمنه. والصاع حوالي أربعة كيلوم غرام في أول تقدير الحنفية. في أول الشهر أو أوسطه أو آخره ، أو بعد ذلك. وعلى هذا الاتجاه ، فهذا النص غير منسوخ. وأما الاتجاه الثاني في فهمه ، فكما قال معاذ : كان هذا في ابتداء الأمر. من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا. قال النسفي : وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه ، فاشتد عليهم ، فرخص لهم في الإفطار والفدية. ثم نسخ التخيير بقوله : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.) ولهذا كرر قوله : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ) لأنه لما كان مذكورا مع المنسوخ ذكر مع الناسخ ليدل على بقاء هذا الحكم. قال ابن كثير : فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.)
![الأساس في التفسير [ ج ١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3117_alasas-fi-altafsir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
