فى الأماكن التى يقيمون بها (٨٠). وهو يغتنم أمثال هذه المناسبات فى سرده ليبين مهارته الأدبية فيسوق بعضا من قصائده أو يصوغ الوصف فى نثر مسجوع تغلب عليه الصنعة ؛ وقد لاحظنا من قبل أن هذا الاتجاه كان خاصا بابن جبير ولكنه لم يغلب لديه بشكل يطغى على خيط القصة أما ابتداء من العبدرى فإن نمط الرحلة أخذ يتحول شيئا فشيئا إلى ضرب من يوميات العلماء تتدهور أحيانا لتصبح محاولة من المؤلف ليبرز فيها المدى الذى بلغته معارفه (٨١) ؛ ويجب أن نستدرك على هذا بقولنا إن العبدرى لم ينحدر إلى ذلك المستوى فعلى الرغم من أن أسلوبه لا يخلو من التكلف إلا أنه يكتب فى نفس الوقت بحرية ويسر بحيث لا يصل إلى درجة المبالغة الممجوجة التى نلتقى بها لدى ممثلى الأجيال التالية ، أو يجعل من مصنفه مجموعة من التطبيقات الأدبية (٨٢). ومن المؤكد أنه كان على معرفة بمن سبقوه فى هذا الاتجاه ؛ وهو عندما يضمّن وصفه كلاما من المسعودى أو البكرى إنما يدفعنا بذلك إلى إعمال الحذر بل وإلى التساؤل هلّا يعتمد وصفه على المصادر المكتوبة دون الملاحظة المباشرة (٨٣) ؛ ومن حسن الحظ أن هذا الرأى الأخير لا يوجد كما رأينا ما يبرره تبريرا كافيا. وهو ينقل فى بعض الأحايين عن مواطنه ابن جبير ويورد أشعاره (٨٤) ؛ والعبدرى بوجه عام يميل إلى الشعر بشكل واضح ويضمن وصف رحلته عددا كبيرا من قصائده الشخصية حتى تلك التى لا علاقة لها البتة بقصة الرحلة نفسها (٨٥) ؛ كما وأنه يختتم رحلته بقصيدة طويلة فى وصف الطريق. وقد شبه البعض العبدرى بابن بطوطة على غير أساس (٨٦) ذلك أن رواية ابن بطوطة تحتل فيها القصة المكانة الأولى بينما يولى العبدرى اهتماما كبيرا للقالب الأدبى. ويجب الاعتراف بأن معرفتنا بالعبدرى ضئيلة للغاية كما أنه لا توجد حتى الآن طبعة لمصنفه (٨٧) ؛ ولإعطاء فكرة عن معدل السرعة التى سار بها تطور العلم نذكر أن الشكوى التى عبر عنها شربونوCherbonneau فى عام ١٨٥٤ بصدد جهل القراء الأوربيين به لم يمكن تداركها إلا فى عام ١٩٤٠ بفضل دراسة هنرباخ Hoenerbach (٨٨).
وهناك احتمال فى أن يكون محمد العبدرى الذى لقب احتراما باسم ابن الحاج ابنا لرحالتنا هذا ؛ وهو من مواليد فاس ولكنه توفى بالقاهرة. وقد نال الشهرة قبل كل شىء كفقيه (٨٩) ولو أنه من الطريف أن نلاحظ أن مصنفه الرئيسى الذى أفرده للكلام عن مختلف أنواع البدع يضم بين دفتيه مادة وفيرة فى الجغرافيا والاثنوغرافيا ، وهو نفس المصنف الذى قدم كمية هائلة من المعطيات لبحث خاص يتمتع بطرافة كبرى بعنوان «اصطلاحات وفن الطحانين والخبازين فى العصور الوسطى الإسلامية» R.Mielck , (Ferminologie der Müller und Bäcker im islamischen Mittelalter, ٤١٩١ (٩٠).
ولم تكن رحلة العبدرى المصنف الوحيد فى بابها فقد قام مغربى آخر يدعى (أبو عمر عبد الله بن رشيد) النشريسى برحلة طويلة امتدت لبضعة أعوام من ٦٧٣ ه ـ ٧٠٠ ه ـ ١٢٧٤ ـ ١٣٠٠ بدأها من غرناطة وزار خلالها شمال أفريقيا ومصر والشام ووصف كل ذلك فى الأجزاء الخمسة التى تكون
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)