فى أحوال عديدة عن بقية الجغرافيين العرب وهو أن مصنفاته أبعد من أن تكون قد استوفت حقها بعد من الدراسة ولو أن المادة قد تجمعت بصورة متزايدة تسمح من الآن بوضع دراسة خاصة عميقة عن هذا المؤلف ؛ بل إن العرب أنفسهم لم يعودوا فى الآونة الأخيرة يبصرون فى مؤلفاته مجرد حكايات طريفة فحسب تعج بمختلف العجائب الخارقة من صنع المخيلة (٦٩) ، كما حدث مع أوروبا لزمن طويل.
وابن سعيد والقزوينى هما أضخم الأسماء التى ظهرت فى محيط الأدب الجغرافى لنهاية القرن الثالث عشر وإلى جانبهما تتضاءل أسماء أولئك الرحالة الذين اكتسب كل واحد منهم أهمية معينة فى محيطه الخاص ولكنهم لم يلعبوا دورا هاما فى المحيط العام ؛ لهذا فإننا تفتقر إلى معلومات كافية عنهم وليس من النادر عن مصنفاتهم أيضا. وليس من محض الصدفة أن الغالبية العظمى منهم قد اتجهت من المغرب إلى المشرق وأن أسفارهم تنضوى تحت النمط المعروف لدينا باسم «الرحلة» ولو أنه اكتسب طابعا خاصا فى هذا الميدان.
وأحد هؤلاء الرحالة كان أبو محمد العبدرى الذى ينتمى فى الأصل إلى مدينة بلنسيةValencia على ما يبدو (٧٠). وتشير النسبة إلى أنه ينحدر من صلب بنى عبد الدار من بنى قصى وهذا الأخير هو الذى تنسب إليه الأسطورة توحيد قبيلة قريش (٧١). أما سيرة حياة العبدرى فلا نكاد نعلم عنها شيئا ويلوح أنه كان على صلة ما بمراكش لأنه بدأ أسفاره من موغادورMogadar تاركا أسرته مع قبيلة حاحه (٧٢). وقد خرج فى رحلته يصحبه ابنه فى ديسمبر من عام ٦٨٨ ه ـ ١٢٨٩ ووجهته مكة (٧٣) ، وفى البداية سارت الرحلة ببطء فى شمال أفريقيا وتوقف الرحالة خلالها وقفات طويلة بالمدن الكبرى. ومن مصر رافق فافلة الحج لأداء الفريضة (٧٤) ثم رجع إلى مصر عن طريق فلسطين فأمضى بعض الوقت بالقاهرة والإسكندرية وغادرها إلى وطنه مارا فى طريقه بتلمسان وفاس ومكناسه حتى بلغ أزمور على المحيط وهناك أقام لبعض الوقت حتى تلحق به أسرته (٧٥). هذا وقد أخذ فى رحلته طريق البر ذهابا وإيابا وربما دفعه إلى هذا كراهية العرب المعهودة لركوب البحر (٧٦) ؛ وقد بدأ رحالتنا فى تدوين وصف رحلته وهو بتلمسان وكرسه بصورة خاصة للكلام على المدن الكبرى بشمال أفريقيا ؛ وابتداء من القاهرة يبدأ الوصف يفقد حيويته وتفصيله (٧٧) أما الرحلة نفسها فتمثل إلى حد ما لونا جديدا عند مقارنتها بمن سبقوه فى هذا المضمار وهى تحفل فى واقع الأمر بكمية كبيرة من المعطيات الجغرافية إذ يقدم لنا المؤلف وصفا دقيقا وصحيحا للمواضع والبقاع المختلفة مع تفاصيل وافية عن الآثار القديمة وأخلاق السكان المحليين (٧٨). وقد لاحظ أحد العلماء الأسبان أن عرضه يتميز «بالصدق والدقة فى الرواية والحيوية والرشاقة فى الأسلوب» ؛ وقد تمكن هذا العالم فى أثناء رحلة قام بها فى الجزائر وتونس من أن يتحقق بنفسه من دقة ملاحظات العبدرى التى تتميز أحيانا بلون محلى خاص (٧٩). غير أن الطابع الأساسى للمصنف لا تعكسه هذه المعلومات الجغرافية على الرغم من أنها لا تخلو من القيمة بجانب أهميتها ودقتها ، ذلك أن اهتمام المؤلف الرئيسى قد اتجه إلى الحديث عن العلماء الذين التقى بهم والدين تتلمذ عليهم أحيانا ردحا من الزمن
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)