عن بيزنطة (٦٣) كما حفظ لنا أيضا قطعا من روايتى أبى دلف وابن فضلان. ومن الطبيعى جدا أن يكون القزوينى قد أفاد فائدة محسوسة من السابقين له فى هذا المضمار مثل أحمد طوسى الذى تحدثنا عنه وعن مصنفه الذى يحمل نفس العنوان فيما مر من هذا الكتاب. ومما يقف دليلا على سعة المادة التى جمعها القزوينى تلك المصادر التى يوردها عن الأندلس فهو قد رجع إلى مؤلفات أبى حامد الغرناطى المعروف لنا جيدا وإلى العبدرى السابق له كما يدين له العلم إلى حد كبير بحفظه لعدد من الشذور عن إبراهيم بن يعقوب الطرطوشى. ويجب فى آخر الأمر ألا نغفل مسألة هامة وهى أن القزوينى قد استخدم مصادر لم تصلنا فهو مثلا قد أفاد من رواية عن رحلة فى داخل أفريقيا لشخص يدعى أبا الربيع سليمان الملتانى لا يعرف عنه شيئا البتة (٦٤) ومن المحتمل أنه لعب بالنسبة للقزوينى نفس الدور الذى لعبه ابن فاطمة الذى أبحر على طول سواحل أفريقيا بالنسبة لابن سعيد. وحتى إذا ما اكتفينا بسرد عاجل للمصادر الثانوية التى استعان بها القزوينى فإن اللوحة التى تتكشف لنا تبعث فى الواقع على الكثير من الدهشة.
أما أثر القزوينى فى الأدب المتأخر فليس ثمة ما يدعو إلى الوقوف عنده بشكل خاص بعد كل : ما ذكرناه عن التعديلات والتصليحات التى مرت عليها مصنفاته ؛ وبالطبع قد وجد عدد من المؤلفين ممن اعتمدوا عليه اعتمادا كبيرا مثل الدميرى عالم الحيوان المعروف (٦٥). وإن عدم وجود طبعات علمية لمصنفات القزوينى ليقف دليلا على أن العلم الأوروبى لم يفرغ من دراستها بعد ، وقد كان ظهور طبعة فستنفلد حافزا لإيتيه Ethe؟على ترجمة الكتاب فبلغ إلى منتصفه ، ومما يسبغ على ترجمته أهميته خاصة تلك التعليقات والتصحيحات العديدة التى ندين بها لقلم فليشرFleischer. وقد رجع العلماء مرة ثانية فى القرن العشرين إلى منهج الاستقصاء المحدد لنقاط معينة من القزوينى ، وهو ذلك المنهج الذى أنار السبيل إليه فى مستهل القرن التاسع عشر المستشرق دى ساسى De Sacy بطبعه للأقسام المتعلقة بالمعادن والنبات والإنسان من كتاب القزوينى والذى سلكه أيضا ايدلرIdeler الذى أفاد فى بحثه الممتاز (١٩٠٩) من وصف النجوم لدى القزوينى (٦٦) ؛ وقد أيدهم فى هذا المجال بشكل خاص فى الآونة الأخيرة العلامة ياكوب Jacob الذى لم يقصر نشاطه على تحليل المادة المتصلة بإبراهيم بن يعقوب بل عالج أيضا فى أبحاث خاصة علم الطيور وعلم النبات لدى القزوينى ؛ أما العلامة رسكاRuska فبعد دراسة عميقة لقسم المعادن توصل كما رأينا إلى نتائج أساسية هامة تتعلق بتاريخ تدوين المصنف وذلك فى مقال له يتميز بالدقة وعمق التحليل. ويقدم لنا مؤرخ العلوم فيدمان Wiedemann وذلك فى مجموعة من المقالات تحليلا لعدد من المسائل التى عالجها القزوينى من محيط الفيزياء والتاريخ الطبيعى ؛ ومثل هذه المادة كبير للغاية ومتنوع لدى الكوزموغرافى العربى ويكفى أن نلاحظ فى هذا الصدد وجود ترجمات لعدد من الفصول الخاصة منها ما هو متعلق بالأرواح والمخلوقات العجيبة (انسباخرAnsbacher ١٩٠٥))(٦٧) ومنها ما يتعلق بآرائه فى علم النفس Psychology (تيشنر Taescher ١٩١٢)) (٦٨). ونتيجة لهذا فإنه يمكن أن نكرر بشأنه نفس الحكم الذى أصدرناه
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)