الجغرافى بل إنه يستعير منه الكثير. وتوزيع المادة فى هذا الكتاب على صورة سبعة معاجم مستقلة بحسب الأقاليم السبعة لا يجعله سهل المتناول ، كما وأن عددا من الفقرات كتلك التى تتناول الحديث عن الجبال والبحار والأنهار المختلفة كثيرا ما تكرر بالحرف الواحد تقريبا نفس المعطيات التى وردت فى مصنفه الكوزموغرافى (٥٨). أما مادته الجغرافية فلا يمكن مقارنتها بمادة ياقوت أو بمادة الجغرافيين الأوائل من باب أولى ولو أنها لا تخلو من روايات طريفة ؛ كما يجب الاعتراف من ناحية أخرى بأنها تتميز دائما بالإمتاع مثال ذلك أنه عند الكلام على الإقليم السادس يورد فقرة عن ايرلنده يتحدث فيها عن صائدى القيطس ، وفى الإقليم السابع يعدد الصور المختلفة عند الفرنجة لما يسمى «بالمحنة» (ordeal) سواء كان ذلك بالنار أو الماء أو القتال ، كما يتحدث أيضا عن السحر والساحرات وحرقهن (٥٩).
وجغرافيا القزوينى بوجه عام لم تحظ بمثل ما حظيت به الكوزموغرافيا من رواج وانتشار ولكنها فى مقابل ذلك معروفة فى عدد من الترجمات الفارسية والمختصرات التركية (٦٠). ويقدم لنا فى بداية القرن الخامس جغرافى من أهل القوقاز يعرف بالباكوى رواية جديدة للجغرافيا لها أهمية قائمة بذاتها من بعض النواحى ؛ هذا وسيرد الكلام عن ذلك فى حينه.
ولم يحدث حتى الآن أن تصدى أحد العلماء لدراسة مصادر القزوينى ولو فى المجالين التاريخى والجغرافى كما حدث مع ياقوت ؛ أما المجهود المثمر الذى بذله فى هذا الصدد مولرMo؟ller وقستنفلد فيرتفع إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر عندما لم يكن تحت تصرف العلماء آنذاك المادة المتوفرة حاليا. وقد عدد فستنفلد ما يقرب من خمسين مؤلفا من الذين رجع إليهم القزوينى فى تأليف جغرافيته ؛ ويلاحظ أنه يوجد من بينهم كبار المؤرخين والجغرافيين المعروفين لنا (٦١) ؛ ويمكن بالطبع زيادة هذا العدد بصورة ملحوظة فى الآونة الحاضرة. وتسمح لنا الأبحاث التى أفردت لدراسة القزوينى خاصة بتكوين فكرة عن مدى اطلاعه الواسع ومحيط قراءاته ، حتى ولو اقتصرنا فى ذلك على ذكر ما مر فى صفحات كتابنا حتى هذه اللحظة. والقزوينى قد اطلع على تراث الأوائل عن طريق الرواية العربية كجميع العلماء العرب تقريبا ، وهو على معرفة جيدة بكتاب «المعادن» المنسوب خطأ لأرسطو كما كان على معرفة أيضا بمؤلفات ابن سينا. أما من بين المؤلفين السابقين له فى ميدان الجغرافيا فإنه لم يجتذبه كثيرا ممثلو «المدرسة الكلاسيكية» ولو أنه كما رأينا على معرفة «بأطلس الإسلام» ؛ وحيث أن هدفه الأساسى كان الإمتاع فقد اجتذبه أكثر من ذلك المؤلفون من طراز الجيهانى والجاحظ والمسعودى ولكن هذا لم يحل دون رجوعه مرارا إلى ممثلى العلوم الدقيقة ، فهو مثلا يستشهد بالبيرونى عند معالجته لمسألة كثر حولها الأخذ والرد أعنى مسألة صلاحية الأقاليم للسكنى فيقول : «فإذا تأملت وجدت الناس محصورين فى الأقاليم السبعة وليس لهم علم بحال بقية الأرض» (٦٢). هذا وتمثل الرحلات بالنسبة للقزوينى مادة ذات قيمة خاصة وقد حدث أن أشرنا فيما سبق من هذا الكتاب إلى أنه قد حفظ لنا شذرات هامة مما دونه هارون بن يحيى
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)