«قد اختلسه وادعاه واستجهل الرواة فرواه» (٥٢). ومن الممكن جدا أن يتصل بهذا المصنف مصنف آخر للخازمى محفوظ فى مخطوطة باستراسبورج يبحث فيه «ما اتفق لفظه واختلف مسماه من الأمكنة المنسوب إليها نفر من الرواة والمواضع التى ذكرت فى مغازى رسول الله» (٥٣).
وقد وكد صدق رأى ياقوت فى هذه الحالة ناشره فستنفلد فقد تمكن بفضل معاونة رايت Wright من أن يكشف بالمتحف البريطانى عن مخطوطة كتاب الإسكندرى تحت عنوان يشير إلى النمط المعروف لنا جيدا وهو «كتاب الأمكنة والمياه والجبال والآثار والنواحى المذكورة فى الأخبار والأشعار (٥٤)». ومن ثم فيجب أن نبصر فيه معجما جغرافيا من طراز معاجم اللغة ورجال الحديث وضع خصيصا لتوضيح «المؤتلف والمختلف» من الأسماء ، وهو هائل الحجم ويضم حسب تعداد قستنفلد ألفين وتسعمائة وثمانية وثلاثين اسما (٥٥). وإزاء انعدام المصادر اللازمة لإجراء مقارنة صحيحة فمن العسير القول إلى أى واحدة من مسوداته الثلاث المعروفة لياقوت ترجع هذه المخطوطة ؛ غير أنه لدى مقابلته بمتن ياقوت تبدو ظاهرة طريفة وهى أن جميع مادة رسالة الإسكندرى قد ضمنها ياقوت فى معجمه. ورغما عن أن المقتطفات ترد تحت ثلاثة أسماء مختلفة إلا أنها تنطبق دائما على مادة مخطوطة المتحف البريطانى (٥٦) ويتجاوز عدد الحالات التى ينقل فيها ياقوت عنه الألفين (٥٧).
إن تفصيلنا الكلام على هذا الاتجاه فى المصنفات الجغرافية للنصف الثانى من القرن الثانى عشر أمر هام جدا بالنسبة لنا ، لأنه يقف دليلا على سعة اطلاع ياقوت المدهشة (٥٨) من ناحة وبرهانا على النشاط الكبير فى ميدان الجغرافيا لذلك العهد من ناحية أخرى. ومهما كان نوع الحكم الذى يصدره الإنسان على هذه المصنفات ، التى بالتأكيد لا يمكن مقارنتها بالآثار الكبرى لمدرسة البلخى ـ الاصطخرى ـ ابن حوقل ، إلا أنه توجد ثمة نقطة للتشابه بين الطرفين. ذلك أنه من المستحيل أن يتجاهل الإنسان أن أحد تلك المصنفات ، مهما كانت قيمته من الدرجة الثانية ، قد خضع لثلاث مسودات مختلفة فى نطاق ثلاثين عاما فقط. ونظرا لأن الكتاب مصنف عادى فإن هذه الحقيقة لا يمكن أن تكون ظاهرة استثنائية ، إذ تحملنا على الافتراض بأن النشاط العلمى قد استمر قدما حتى ولو لم يتصف بالابتداع والأصالة.
ويمثل أهمية خاصة فى القرن الثانى عشر الأدب الجغرافى باللغة الفارسية. وقد حدث أن بينا أكثر من مرة أن هذا الاتجاه يرتبط فى تطوره ارتباطا وثيقا بالجغرافيا العربية وأنه فى أى عرض هدفه الاستيعاب يجب فحصهما معا جنبا إلى جنب. وقد حدث فى بعض العهود أن قدم لنا الأدب الفارسى آثارا أعظم بكثير من العربية ؛ وهو وإن رجع فى مصادره إلى نفس المادة التى استقى منها الأدب العربى إلا أن تأثيره كان محدودا لأن اللغة حالت دون انتشاره فى الجزء الغربى من العالم الإسلامى فاقتصر على المشرق وحده. وقد أتيحت لنا الفرصة لنبصر كيف أن المصنفات الأولى قد مرت فى المشرق على تعديلات وتغييرات عديدة أو أصبحت أساسا ومصدرا للمصنفات المتأخرة. وبالطبع لم تنشأ أنماط جديدة أو أصيلة فى الأدب
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)