الجغرافى باللغة الفارسية ، وبذا يمكن أن توزع جميع الآثار المبرزة للقرن الثانى عشر على الأنماط المعروفة لنا.
وأحد هذه المصنفات يذكرنا بمصنف ابن حوقل وإلى حد ما بمنهج وصف البلدان والمدن المختلفة كما تم تطبيقه فى المغرب فى «كتاب الاستبصار» الذى مر بنا الكلام عليه فى الفصل السابق لهذا ، ذلكم هو كتاب «فارسنامه» لابن البلخى ، وهو أحد الآثار الأدبية القليلة التى تمخض عنها عهد سلاجقة فارس (٥٩). ولا نكاد نعلم شيئا عن المؤلف نفسه ، غير أن اسمه يشير إلى انتماء أسرته إلى مركز من المراكز الثقافية القديمة فى المشرق الذى ينتمى إليه أيضا مؤسس المدرسة الكلاسيكية للجغرافيا العربية : وكان المؤلف «مستوفيا» (أشبه ما يكون برئيس حسابات) فى عهد أحد السلاجقة (٦٠) ، وهو الذى كلفه بوضع هذا المصنف الذى يمثل وصفا تاريخيا جغرافيا مفصلا لولاية فارس بإيران ؛ ويمكن إرجاع تاريخ تصنيفه إلى العشرة الأولى من القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) ، وهى الفترة بين عامى ١١٠٦ و ١١١٦ (٦١). والكتاب يبدأ بقسم تاريخى مفصل عن ملوك إيران قبل الإسلام (٦٢) ؛ ورغما من أن لوسترايج Le Strange ، وهو أول من لفت الأنظار إلى هذا الأثر (٦٣) ، يتشكك فى قيمة القسم التاريخى منه إلا أن نيكولسون Nicholson يعتقد أنه لا يخلو من بعض الأهمية بصفته أقدم ما كتب نثرا باللغة الفارسية فى تاريخ تلك الحقبة وأنه بالإضافة إلى هذا لا يعتمد على تاريخ حمزة الأصفهانى وحده كما ظن لوسترانج بل على عدد كبير من المصادر الأخرى (٦٤) :
وقد أفرد فيه قسم ليس بالكبير لفتح العرب لفارس (٦٥) ، ولكن يلى هذا القسم الجغرافى القيم الموجود فى ترجمة علمية بقلم لوسترانج (٦٦). ومضمون هذا القسم يقرب إلى حد كبير من كتاب ابن حوقل فى واحدة من مسوداته العديدة (٦٧). أما تبويب الكتاب فيتبع أيضا النموذج المعروف لنا جيدا ، فبعد عرض قصير للتقسيم الإدارى للولاية (٦٨) يرد وصف لنواحيها المختلفة (٦٩) وللطرق الرئيسية (٧٠) ثم استطرادات مختلفة عن القبائل التى تقطن الولاية (٧١) ، ويلى هذا الكلام على الخراج (٧٢). وواضح من هذا أننا بإزاء تكملة واستمرار لأسلوب المدرسة الكلاسيكية للجغرافيين العرب ولكن مع الاقتصار على وصف ولاية واحدة.
وعلى ما يظهر فإن الكتاب لم يكتسب صيتا واسعا ، وهو معروف حتى الآن فى مخطوطتين فقط وثيقتى الصلة ولكنهما مكنتا على أية حال من إخراج الترجمة التى ذكرناها للقسم الجغرافى وأيضا الطبعة الكاملة للمتن (٧٣). أما فى محيط الأدب الفارسى فلا شك أن المؤلف قد ترك أثرا كبيرا ، ففى القرن الرابع نقل عنه كثيرا حمد الله قزوينى (٧٤) ، وفى القرن الخامس عشر أفاد منه كثيرا حافظ آبرو (٧٥).
وبعهد آخر سلاجقة العراق طغرل الثانى (٥٧٣ ه ـ ٥٩٠ ه ـ ١١٧٧ ـ ١١٩٤) يرتبط مصنف جغرافى لأحمد طوسى يعكس نمطا آخر فى الجغرافيا (٧٦) ، ذلكم هو أول كتاب باللغة الفارسية فى فى الكوزموغرافيا (٧٧) وهو يذكّر بعض الشىء بالمصنف المعاصر له فى المغرب للغرناطى ولكن يغلب
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)