استيلائه على بغداد. وقد حالفه التوفيه فى العام التالى لذلك (٦٥٧ ه ـ ١٢٥٩) فأقنعه ببناء مرصد كبير بمراغة بأذربيجان حيث كان يوجد بلاط المغول.
وقد تم تزويد المرصد بأفضل أجهزة الرصد لذلك الحين حفظ لنا وصفها تلامذة الطوسى وزملاؤه فقدموا بذلك مادة لأبحاث قام بها بعض المتخصصين من الأوروبيين. واشترك نصير الدين أحيانا فى حملات المغول العسكرية ليجمع المخطوطات لمكتبة المرصد التى ضمت أربعمائة ألف مجلد ؛ وهو رقم مبالغ فيه كما يحدث عادة فى أمثال هذه الحالات. وكان من بين أمناء هذه المكتبة يوما ما المؤرخ المعروف ابن الفوطى الذى كان وقع أسيرا فى يد المغول فأنقذه نصير الدين. وأعد المرصد خير إعداد ليس فى الأجهزة والآلات والكتب فحسب بل وأيضا فى العدد الضخم من العلماء حيث وجد إلى جانب تلامذة الطوسى أبناؤه أيضا ؛ وثمة روايات عن مشاركة علماء صينيين فى أعمال الرصد بهذا المرصد وهو أمر ليس مستبعد بالنسبة لدولة المغول. بيد أن المرصد لم يدم أكثر من جيلين ولم يسمع عنه شىء بعد النصف الأول من القرن الرابع عشر (٩٣) ؛ ولا تزال خرائبه ماثلة إلى أيامنا هذه بمراغة (٩٤).
وكان نصير الدين الطوسى دائرة معارف بمعنى الكلمة ، فقد شمل نشاطه العلمى جميع العلوم سواء الإسلامية الصرفة أو العلوم الدقيقة. ويسترعى النظر ما قاله عنه فى عام وفاته العالم السريانى المعروف ابن العبرى ، وكان يعرفه معرفة جيدة ، بل واشتغل هو نفسه بالتدريس بعض الوقت بمراغة. قال : «وفى هذا التاريخ توفى خواجا نصير الدين الطوسى الفيلسوف صاحب الرصد بمدينة مراغة حكيم عظيم الشأن فى جميع فنون الحكمة. واجتمع إليه فى الرصد جماعة من الفضلاء المهندسين. وكان تحت حكمه جميع الأوقاف فى جميع البلاد التى تحت حكم المغول. وله تصانيف كثيرة منطقيات وطبيعيات وإلاهيات وأوقليدس ومجسطى. وله كتاب أخلاق فارسى فى غاية ما يكون من الحسن جمع فيه جميع نصوص أفلاطون وأرسطو فى الحكمة العملية. وكان يقوّى آراء المتقدمين ويحلّ شكوك المتأخرين والمؤاخذات التى قد أوردوا فى مصنفاتهم» (٩٥).
أما فى محيط العلوم الدقيقة فندين له بتصليحات عديدة لمؤلفات جميع علماء الأوائل تقريبا ممن عرفهم العرب ، وقد استمر الشرق الإسلامى يستخدم هذه الترجمات المصلحة لنصير الدين الطوسى إلى أيامنا هذه. من ذلك أنه أعد مسودة جديدة للمجسطى طغت على جميع الترجمات السابقة تقريبا. أما أرصاده لوضع جداول فلكية فقد بدأها فى سن متقدم من عمره وهو سن الستين ؛ ومع ذلك فقد وفق فى إتمامها خلال اثنى عشر عاما وذلك حوالى عام ٦٧٠ ه ـ ١٢٧١ رغما من أنه يقرر فى مقدمة الجداول أن دورة الأرصاد الفلكية لا تتم فى أقل من ثلاثين سنة (٩٦). وقد شارك فى وضع هذه الجداول فلكيون آخرون واستند حسابها على أساس خط منتصف النهار الذى يمر بمراغة ، وأطلق عليها اسم «الزيج الايلخانى» نسبة إلى اللقب الذى كان يحمله حكام إيران المغول. والكتاب مرتب على أربع مقالات الأولى فى التقاويم المختلفة
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)