ثابت بن قرة (٦٩) ؛ وهذا ليس بغريب فثابت من مواطنى البتانى فضلا عن أن الأخير قد تحاشى ، عن قصد فى أغلب الظن ، الاستفادة من النتائج العلمية التى وصل إليها فلكيو المأمون ، هذا إذا اعتمدنا فى حكمنا على عدم وجود أية مقتطفات من مصنفاتهم فى كتابه (٧٠). وهو لا ينبس ببنت شفة عن المقاسات التى أجراها أولئك لخط منتصف النهار ، ولكن من ناحية أخرى فإن صاحب الترجمة المصلحة لبطلميوس كان على علم بمصنف الخوارزمى فقد استعار منه بعض المعطيات (٧١) ، كما كان على علم أيضا بالترجمات السريانية لبطلميوس (٧٢).
وكما أبصرنا من قبل فجميع المسائل المتعلقة بالتاريخ المبكر للجغرافيا الرياضية عند العرب يحيط بها الكثير من الغموض واللبس ؛ وهذا الحكم يصدق بدوره على مصادر البتانى. غير أن مصنفاته تمتاز على المصنفات الأخرى التى بين أيدينا الآن بوجود طبعة علمية لأحدها. إذ الواقع يثبت أنه لا توجد رسالة فلكية واحدة عن العصر الأول تتمتع بطبعة علمية نموذجية مع ترجمة وتعليقات ضافية كما هو الحال مع «الزيج الصابئ» فى الأجزاء الثلاثة الكبرى لنالينو (١٨٩٩ ـ ١٩٠٧). وتعتبر تعليقات نالينو بحق موسوعة لا مثيل لها لكل من يريد الخوض فى مسائل الفلك والجغرافيا الرياضية عند العرب.
وبعد قرن بالتقريب من البتانى وفى مصر الفاطمية ظهر مؤلف فى الفلك على هيئة جداول تمتع بنفس المكانة الممتازة التى تمتع بها زيج البتانى. وهو من عمل ابن يونس الذى على النقيض من البتانى حفظ لنا تفاصيل الوصف الهام لحساب خط منتصف النهار الذى تم فى عهد المأمون. وكما هو الحال مع فلكيى المأمون فإن ابن يونس ، واسمه أبو الحسن على الصدفى (٧٣) ، كان أيضا فلكيا للبلاط ؛ وقد بدأ عمله فى وضع الجداول حوالى عام ٣٨٠ ه ـ ٩٩٠ على جبل المقطم بالقاهرة فى المرصد الذى ضم فيما بعد إلى «دار الحكمة» التى أنشأها الخليفة الفاطمى الحاكم واستمرت من عام ١٠٠٥ إلى آخر آخر عهد الفاظميين فى عام ١١٧١ (٧٤) ؛ وهى تقدم لنا مثيلا للمنظمة المعروفة فى عهد هارون الرشيد والمأمون. أما الجداول فقد أتمها ابن يونس قبل قليل من وفاته (فى عام ٣٩٩ ه ـ ١٠٠٩) وأخذت عنوان «الزيج الحاكمى الكبير» نسبة إلى الخليفة الفاطمى لذلك العهد وهو الحاكم بأمر الله. وقد حفظ لنا الكتاب فى عدة مخطوطات غير كاملة ، نشر شذورا منها وترجمات كوسان دى پرسيفال Caussin de Percival ، ويحمل كتابه تاريخ العام الثانى عشر للجمهورية الفرنسية (١٨٠٣ ـ ١٨٠٤).
وقد قام المستعرب وعالم الرياضيات شوى Schoy بالكثير فى دراسة نظرياته فى العشرينيات من هذا القرن (٧٥) وبين ما قام به ابن يونس لا فى ميدان الفلك وحده بل أيضا فى حساب المثلثات الكروى (spheric trignometry) حيث يجتذب الأنظار بشكل خاص قاعدة رياضية كشف عنها ابن يونس. ولا شك أن ابن يونس يعتبر أكبر الفلكيين العرب قاطبة بعد البتانى.
وتسبق الجداول مقدمة قصيرة تمتاز بالطرافة وتعرض بإيجاز لجميع تلك الأغراض العملية التى تستخدم الفلك والجغرافيا الرياضية فى مجال الشعائر الإسلامية. قال :
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)