«... ولما كان للكواكب ارتباط بالشرع (٧٦) فى معرفة أوقات الصلوات وطلوع الفجر الذى يحرم به على الصايم الطعام والشراب وهو آخر أوقات الفجر وكذلك مغيب الشفق الذى هو أول أوقات العشا الآخرة وانقضا الإيمان والنذور والمعرفة بأوقات الكسوف للتأهب لصلاته والنوجه إلى الكعبة لكل مصل وأوايل الشهور معرفة بعض الأيام إذا وقع فيه شك وأوان الزرع ولقاح الشجر وجنى الثمر ومعرفة سمت مكان ما من مكان والاهتدا عند الضلال وكان رصد أصحاب الممتحن قد بعد عمره وكان عليه من الخلل ما وجد فى أرصاد من تقدمهم من أهل العلم والبطش مثل ارشميدس وابرخس وبطلميوس وغيرهم أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين أبو على المنصور الإمام الحاكم بأمر الله صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأنبيائه الأكرمين بتجديد رصيد الكواكب السريعة السير وبعض البطيئة» (٧٧).
كما تحتوى الجداول نفسها على مقدمة تبسط ما يحتاج إليه عمليا فى الرصد والحساب وكيفية استعمال الجداول سواء من الناحية الفلكية بمعناها الضيق أو من ناحية التوقيت وحساب المثلثات. والمهمة الأساسية لجداوله هى تصحيح الأرصاد السابقة ، فحصل بهذا على نتائج جديدة ؛ والأمر الذى يهمنا بصورة خاصة ، أى من وجهة النظر الجغرافية البحتة ، هو تحديدها لمواقع مائتين وسبع وسبعين مدينة وهو رقم لا يختلف كثيرا عن الرقم الوارد فى الجداول الجغرافية للبتانى السالف ذكرها.
وفى كلامنا على بداية الجغرافيا الفلكية عند العرب أشرنا إلى الدور الهام الذى قام به الزرقالى كوسيط بين الشرق والغرب ، كما وقفنا بعض الشىء عند «جداول طليطلة» التى لعب الزرقالى دورا رئيسيا فى وضعها. وأبو إسحق إبراهيم بن يحيى الزرقالى ، الذى اشتهر فى الدوائر العلمية بنسبته «الزرقالى» وفى أوروبا الوسيطة باسم Arzachel (عاش حوالى عام ٤٢٠ ه ـ ١٠٢٩ ـ ٤٨٠ ه ـ ١٠٨٧ (٧٨)) كان فى بادئ أمره على أغلب الظن نقاشا ، وتكمن هذه الحقيقة فى أنه لقب أيضا بالنقاش. وكان يعمل فى تحضير الآلات الفلكية الدقيقة فاخترع اسطرلابا جديدا بلغ حد الكمال ، ولم يلبث أن صار أكبر راصد لعصره. ومسقط رأسه قرطبة ولكنه أمضى حياته بأجمعها تقريبا بطليطة التى كانت آنذاك المركز الثقافى لأسبانيا. ورسالته فى الاسطرلاب المسماة «صفيحة الزرقالى» (فى الترجمة اللاتينيةSaphaea Arzachelis) كان لها تأثير لا نظير له على كافة العلم الأوروبى ، وترجمت فى ذلك الوقت إلى لغات عديدة كالعبرية واللاتينية والقشتالية والإيطالية (٧٩). وقد لعبت نفس هذا الدور أيضا «جداول طليطلة» الفلكية التى شارك فى وضعها الزرقالى مشاركة فعالة وعمل لها شرحا خاصا بها ؛ ولم يعثر على الأصل العربى لها إلى الآن غير أن الترجمة اللاتينية لجيرارد الكريمونى Gerard of Cremona فى القرن الثانى عشر معروفة فى أكثر من خمس عشرة مخطوطة ، الأمر الذى يدل على سعة انتشار الكتاب. وقد كان لهذه الجداول أثر كبير فى النشاط العلمى للفونس «العالم» فى القرن الثالث عشر ؛ وأفرد لها ريجيومنتانوس Regiomontanus رسالة خاصة ، كما وأن كوبرنيكوس Copernicus ينقل
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)