ولم يقف تأثير الخوارزمى عند سهراب وحده بل تعداه إلى غيره ، ولو أنه يجب الاعتراف بأنه من العسير أحيانا إدراك تأثير مصنف بعينه بقدر الإحساس بتأثير الاتجاه العام الذى يستهدف عرض المادة الجغرافية على هيئة جداول ، وهو ذلك الاتجاه الذى يستمد مادته من نفس المصادر اليونانية التى ترتفع إليها «صورة الأرض». ولقد ارتبط هذا الاتجاه فيما بعد بالفلك أكثر منه بالجغرافيا الوصفية التى بدأت فى الظهور آنذاك ؛ ومن ثم فلنا الحق كل الحق فى أن نغفل بعض الشىء سير التتابع التاريخى ونقصر أنفسنا فيما يلى من هذا الفصل على الكلام على المصنفات الكبرى فى ميدان الجغرافيا الفلكية دونما حاجة إلى الكلام عنها مرة ثانية عند معالجة العصور التى تنتمى إليها.
وقبل الدخول فى هذا يجدر بنا أن نقدم نبذة موجزة عن معاصر الخوارزمى الأصغر وهو «فيلسوف العرب» الشهير يعقوب الكندى (المتوفى حوالى عام ٢٦٠ ه ـ ٨٧٤) (٥٠). ويرتبط بهذا الاسم كما ذكرنا من قبل واحدة من أولى ترجمات جغرافيا بطلميوس ؛ وأغلب الظن أن تأثيرها قد ظهر فى تأليفه لكتابه «رسم المعمور من الأرض» الذى يشير إليه المسعودى (٥١) والذى لا نعلم عنه شيئا للأسف. وتنال أهمية كبرى رسالته «فى البحار والمد والجزر» كما يدعوها المسعودى ؛ وقد استعملها الأخير فى الفصل الذى أفرده للمحيط الهندى (٥٢) ويرجع الفضل فى تعريف العلم الأوروبى بها إلى بحثين للعلامة قيدمان Wiedemann (٥٣). وبالرغم من أن نظرية الكندى فى المد والجزر تستند على أفكار خاطئة إلا أنه من الطريف ملاحظة أنه قد اعتمد على الملاحظة والتجربة العلمية ليثبت صحتها (٥٤). هذا وسنلتقى بأحد تلامذته عند الكلام على تاريخ التطورات الأولى فى محيط الجغرافيا الوصفية.
وقد استمر اسم الزيج مطلقا على الجداول الفلكية التى امتدت حياتها خلال عدد من الآثار المجيدة حتى اختتمت بجداول ألوغ بيك Ulugh Bek ، وهى جميعها بالتقريب تعطينا أطوال وعروض المواضع الجغرافية موزعة على الأقاليم السبعة. ويحتل المكان الأول من بينها زيج البتانى (حوالى ٢٤٤ ه ـ ٣١٧ ه ـ ٨٥٢ ـ ٩٢٩) (٥٥) الذى عاش بعد قرن من الخوارزمى تقريبا. والبتانى لا ينتسب إلى المدرسة البغدادية بقدر ما ينتسب إلى مدرسة صابئة حرّان ؛ ومن فضل القول التحدث عن مكانته فى تاريخ العلم البشرى ، ودليل هذا ذيوع صيته فى أوروبا الوسيطة تحت اسم Albategnius وأيضا الاهتمام الكبير الذى أبداه نحوه رجيومنتانس Regiomontanus (١٤٣٦ ـ ١٤٧٦) (٥٦) بصدد حساب المثلثات الكروى (Spheric Trignometry) ، كما وأن ملاحظاته عن الكسوف قد أفاد منها فائدة كبيرة دنتورن Dentorn حتى فى وقت متأخر كعام ١٧٤٩ (٥٧). وقد أمضى البتانى حياته بأسرها تقريبا يرصد الأجرام السماوية بمرصد الرقة ، من عام ٢٦٤ ه ـ ٨٧٧ إلى عام ٣٠٦ ه ـ ٩١٨ (٥٨). ورغما من أنه اعتبر نفسه مسلما إلا أنه كان أقرب فى أصله إلى صابئة حرّان الذين برز منهم فى ذلك العهد عدد من كبار العلماء يكفى أن نشير من بينهم إلى ثابت بن قرة الذى مر ذكره.
![تاريخ الأدب الجغرافي العربي [ ج ١ ] تاريخ الأدب الجغرافي العربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3064_tarikh-aladab-aljografi-alarabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)