و (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى) هنا دليل على أن الأولى هي نفخة الإماتة وصيحتها ، والتعبير عنها بالصعقة ، علّه تلميح أنها صعقة الروح حيث الجسم لا يصعق ، والموت بخروج الروح عن البدن ـ وهو حي في برزخه ـ ليس صعقة ، لا للجسم ولا للروح ، ثم و (مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) حيث تعم الأحياء هنا وفي البرزخ وهم أموات عما هنا ، لمحة كدلالة ثانية أن الأرواح هي المصعقة وفزعة كما في آية النمل.
ففي النفخة الصيحة ، ليست لتموت ـ فقط ـ الأبدان ، فإن أهل البرزخ منهم قد ماتت أبدانهم من ذي قبل ، ولأن الأرواح يغشى عليها دون موت ، لأنها نفخة الإماتة ومن ثمّ الإحياء ، بل إنها تموت في غشيتها وصعقتها ، فلا أن ل (مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) صعقة دون موت ولا موتة دون صعقة.
وإنما جمع بين الأمرين ، طالما الأحياء ـ إذا ـ لا برزخ لهم ، والأموات تموت أرواحهم في البرزخ كما الأحياء هنا دون برزخ ، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس ... : (١).
__________________
(١) نور الثقلين ٤ : ٥٠٢ ح ١١٧ في كتاب الاحتجاج للطبرسي عن أبي عبد الله (عليه السلام) حديث طويل وفيه قال السائل : أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه ام هو باق؟ قال (عليه السلام) : بل هو باق الى وقت ينفخ في الصور ـ فعند ذلك ... ولا محسوس ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها وذلك اربعمائة سنة تسبت فيها الخلق وذلك بين النفختين ، وقد يقربه ح ١١٥ عن ارشاد المفيد ولما عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك الى المدينة قدم عليه عمرو بن معدي كرب الزبيدي فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اسلم يا عمرو يؤمنك الله من الفزع الأكبر فقال : يا محمد! وما الفزع الأكبر فاني لا أفزع! فقال يا عمرو! انه ليس كما تظن وتحسب ان الناس يصاح بهم صيحة واحدة فلا يبقى ميت الا نشر ولا حي الا مات الا ما شاء الله ثم يصاح بهم صيحة اخرى فينشر من مات ويصفون جميعا ... أقول : النشر الأول هو موت الأموات بأرواحهم ، والنشر الثاني هو حياتهم بالصيحة الثانية.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٥ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3050_alfurqan-fi-tafsir-alquran-25%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
