هذا السئوال المتعنت هو نظرية البعض من فلاسفة الماركسية ، زاعما أن الوجود ـ أيا كان ـ لا يستغني عن علة تعاصره ، وافتراض موجود دون خالق يناقض هذه الضابطة.
وقد تغافلوا عن أن الحاجة إلى خالق ليست قضية الوجود بما هو وجود ، وإلّا كانت المادة الأولية الأزلية على زعمهم بحاجة إلى خالق ، وإنما هو الوجود الحادث المادي ، يسئل عمن خلقه لأنه مخلوق ، وهذا يهدم صرح أزلية المادة ويبني صرح الخالق الأزلي وراء المادة.
فوجاه قولتهم «من خلق الله إذا كان هو الخالق لكل شيء»؟ نقول : من خلق المادة الأولية إذا كانت هي المتطورة والمطوّرة لكل شيء. وجوابهم : أن المادة خالقة غير مخلوقة لأنها أزلية ، هو جوابنا وبأحرى : أن الله خالق غير مخلوق لأنه أزلي كما برهن به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجاجه المنيرة ، وإذا كان الله خالق كل شيء ، فكل شيء فقير إليه لا يملك لنفسه شيئا ، إذا (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) يكل أمره فيما يكلّ في أمره ، ولولا وكالته على كل شيء ، إيكالا لها إلى أنفسها ، لزال كلّ شيء ، أو كلّ كل شيء فيما يصلحه ويدبر أمره.
أترى (كُلِّ شَيْءٍ) هنا وهناك يعم أفعال العباد؟ إذا فهم مسيّرون فيها لا حيلة لهم ، فلما ذا يثابون أو يعذبون؟! أقول : لا ونعم ، لا ـ حيث الشيء يعني شيء الذات ، لا وشيء الفعل مما له فعل ، وحيث يعنيهما أيضا فلا ـ حين يعنى خلقا لها ينافي التخيير ، ونعم ـ حين يعنى أنه الخالق للمختار واختياره وفعله بالاختيار.
فالفعل المختار له نسبة إلى الفاعل المختار حيث اختاره دون إجبار ، ونسبة أخرى إلى خالق كل شيء ، إذ لولا إرادته بعد إختيار المختار لما حصل الفعل المختار ، فإنه «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين» وبعد كل
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٥ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3050_alfurqan-fi-tafsir-alquran-25%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
